كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)
أَدْرَكَ) (¬1) قَبْلَ ذَلِكَ، كُلُّ أَحَدٍ يُشَاهِدُ (ذَلِكَ) (¬2) مِنْ نَفْسِهِ عِيَانًا، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ بمعلوم دون معلوم، ولا بذات دُونَ صِفَةٍ، وَلَا فِعْلٍ دُونَ حُكْمٍ، فَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى الِاسْتِقْلَالِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ـ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ الْعَبْدِ، لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى دَعْوَى الِاسْتِقْلَالِ أَلْبَتَّةَ حَتَّى يَسْتَظْهِرَ فِي مَسْأَلَتِهِ بِالشَّرْعِ ـ إِنَّ كانت شرعية ـ لأن (أوضاع) (¬3) الشارع (لا تخلّف) (¬4) فِيهَا أَلْبَتَّةَ، وَلَا قُصُورَ وَلَا نَقْصَ، بَلْ مباديها موضوعة على وفق الغايات، وهي (معنى) (¬5) الْحِكْمَةِ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ مَا نَدَّعِي علمه في الحياة (الدنيا) (¬6) يَنْقَسِمُ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَى الْبَدِيهِيِّ الضَّرُورِيِّ (¬7) وَغَيْرِهِ (فالضروري قد عرفناه، بحيث لا يسعنا إنكاره، وغير الضروري لا يمكننا أن نعرفه) (¬8) إِلَّا مِنْ طَرِيقٍ ضَرُورِيٍّ إِمَّا بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، إِذْ قَدِ اعْتَرَفَ الْجَمِيعُ أَنَّ العلوم/ المكتسبة لا بد في تحصيلها من توسط مُقَدِّمَتَيْنِ مُعْتَرَفٍ بِهِمَا (¬9)، فَإِنْ كَانَتَا ضَرُورِيَّتَيْنِ فَذَاكَ، وإن كانتا مكتسبتين فلا بد فِي/ اكْتِسَابِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ،
¬_________
(¬1) في (غ) و (ر): "يدركه".
(¬2) ما بين القوسين زيادة من (غ) و (ر) ومن مصحح (ط).
(¬3) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "أوصاف".
(¬4) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "تختلف".
(¬5) في (ط) و (خ) و (ت): "من".
(¬6) زيادة من (غ) و (ر).
(¬7) قسم أهل المنطق العلم إلى قسمين: تصور وتصديق، وكل منهما ينقسم إلى بدهي ضروري، ونظري كسبي، وعرفوا التصور: بأنه الإدراك الخالي عن الحكم. والتصديق: بأنه الإدراك الذي معه حكم. والعلم البدهي الضروري: هو الحاصل بلا نظر ولا كسب. والعلم النظري الكسبي: هو ما يحتاج إلى نظر وكسب. انظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (1 8 ـ 9) وتسهيل المنطق لعبد الكريم الأثري (ص9).
(¬8) ما بين القوسين زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(¬9) قوله بضرورة توسط مقدمتين معترف بهما لحصول العلوم المكتسبة، هو من قول المناطقة، وهو قول مرجوح، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه، انظر ـ على سبيل المثال ـ: الرد على المنطقيين (ص110 و167 و187 و193 و250 و339).