كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)

لفهم من قصر فهمه عن إدراك (هذه) (¬1) الْحَقَائِقِ الْوَاضِحَاتِ.
فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ قَضَاءُ الْعَقْلِ في (كل) (¬2) عَادِيٍّ بِانْخِرَاقِهِ مَعَ أَنَّ كَوْنَ الْعَادِيِّ عَادِيًّا مُطَّرِدًا (غَيْرَ) (¬3) صَحِيحٍ أَيْضًا، فَكُلُّ عَادِيٍّ يَفْرِضُ العقل فيه خرق العادة فليس للعقل (إنكاره) (¬4)، إِذْ قَدْ ثَبَتَ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي اخْتُصَّ الْبَارِي بِاخْتِرَاعِهَا، وَالْعَقْلُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ خَلْقٍ وَخَلْقٍ، فَلَا يُمْكِنُ إِلَّا الْحُكْمُ بِذَلِكَ الْإِمْكَانِ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِبَارِ: سُبْحَانَ مَنْ رَبَطَ الْأَسْبَابَ بِمُسَبَّبَاتِهَا وَخَرَقَ الْعَوَائِدَ لِيَتَفَطَّنَ الْعَارِفُونَ. تَنْبِيهًا عَلَى/ هَذَا الْمَعْنَى الْمُقَرَّرِ.
فَهُوَ أَصْلٌ اقْتَضَى لِلْعَاقِلِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُجْعَلَ الْعَقْلُ حَاكِمًا بِإِطْلَاقٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ بِإِطْلَاقٍ وَهُوَ الشَّرْعُ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدَّمَ مَا حَقُّهُ التَّقْدِيمُ ـ وَهُوَ الشَّرْعُ ـ وَيُؤَخِّرُ مَا حَقُّهُ (التَّأْخِيرُ) (¬5) ـ وَهُوَ نَظَرُ الْعَقْلِ ـ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ النَّاقِصِ (حَاكِمًا) (¬6) عَلَى الْكَامِلِ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، بَلْ ضِدُّ الْقَضِيَّةِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَدِلَّةِ/ فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ (من قَالَ) (¬7): اجْعَلِ الشَّرْعَ فِي يَمِينِكَ وَالْعَقْلَ فِي يَسَارِكَ، تَنْبِيهًا عَلَى تَقَدُّمِ الشَّرْعِ عَلَى الْعَقْلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ فِي الشَّرْعِ أَخْبَارًا (تَقْتَضِي ظَاهِرًا) (¬8) خَرْقَ الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ الْمُعْتَادَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ (الْإِنْكَارَ) (¬9) بِإِطْلَاقٍ، بَلْ لَهُ سَعَةٌ فِي أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ (يُصَدِّقَ) (¬10) بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا جَاءَ وَيَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى عَالِمِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
¬_________
(¬1) زيادة من (غ) و (ر).
(¬2) زيادة من (غ) و (ر).
(¬3) ساقط من (غ) و (ر).
(¬4) في (ط) و (خ) و (ت): فيه إنكار. وفي (م): إنكار.
(¬5) في (غ) و (ر): "أن يؤخر".
(¬6) في (ط) و (غ) و (ر): "حكما".
(¬7) ما بين القوسين زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(¬8) في (غ) و (ر): "يقتضي ظاهره".
(¬9) في (غ) و (ر): "بالإنكار".
(¬10) في (غ) و (ر): "يقصد".

الصفحة 292