كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)

فِيهِ شَكٌّ وَارْتِيَابٌ/، كَمَا نَقُولُ: إِنَّ الصِّرَاطَ ثَابِتٌ، وَالْجَوَازَ عَلَيْهِ قَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ بِهِ، فنحن نصدق به لأنه وإن كان (حدّ) (¬1) السَّيْفِ وَشِبْهِهِ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْرَارُ الْإِنْسَانِ فَوْقَهُ عادة فكيف يمشي عليه؟ فالعادة قد (تنخرق) (¬2) حَتَّى يُمْكِنَ الْمَشْيُ وَالِاسْتِقْرَارُ،/ (وَالَّذِينَ) (¬3) يُنْكِرُونَهُ (¬4) يَقِفُونَ مَعَ الْعَوَائِدِ وَيُنْكِرُونَ أَصْلَ الصِّرَاطِ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلى إمكان انخراق العوائد، (فيردون ما جاء فيه أو يتأولونه حتى لا يثبتوا معنى الصراط أصلاً فإن أصروا على هذا ظهر التدافع في قولهم في إجازة انْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ) (¬5)، فَإِنْ فَرَّقُوا صَارَ ذَلِكَ تَحَكُّمًا، لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ فِي أَحَدِ الْمَثَلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ من غير مرجح عقلي، وقد صادمهم النَّقْلُ، فَالْحَقُّ الْإِقْرَارُ دُونَ الْإِنْكَارِ.
(وَلْنَشْرَحْ) (¬6) هَذَا الْمَطْلَبَ بِأَمْثِلَةٍ عَشْرَةٍ:
أَحَدُهَا: مَسْأَلَةُ الصِّرَاطِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ.
وَالثَّانِي: مَسْأَلَةُ الْمِيزَانِ (¬7)، إِذْ يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ مِيزَانًا صَحِيحًا عَلَى مَا يَلِيقُ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَتُوزَنُ فِيهِ الْأَعْمَالُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ عَادِيٍّ، نَعَمْ يُقِرُّ الْعَقْلُ بِأَنَّ أَنْفُسَ الْأَعْرَاضِ ـ وَهِيَ الْأَعْمَالُ ـ لَا تُوزَنُ وَزْنَ الْمَوْزُونَاتِ عِنْدَنَا فِي
¬_________
(¬1) في (ط) و (خ) و (ت): "كحد".
(¬2) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "تخرق".
(¬3) في (م): "والذي".
(¬4) الذين أنكروا كون الصراط أحدّ من السيف وأدق من الشعر: القاضي عبد الجبار المعتزلي، انظر: شرح الأصول الخمسة (737).
(¬5) ما بين () زيادة من (غ) و (ر).
(¬6) في (غ) و (ر): "ولنرشح".
(¬7) المنكرون للميزان هم جمهور المعتزلة، وخالفهم القاضي عبد الجبار حيث أثبت الميزان، وأنه حقيقي توزن به الأعمال كما في شرح الأصول الخمسة (735)، والذي عليه أهل السنة أن الميزان له كفتان حسيَّتان مشاهدتان، وأن الإنسان يوزن مع عمله، وأن الأعمال توزن في الميزان، خلافاً لما ذكر المؤلف، انظر تفصيل هذه المسألة في: مقالات الإسلاميين (2 164)، وفتح الباري (13 547 ـ549)، وشرح الطحاوية (ص409 ـ 413)، ولوامع الأنوار (2 184 ـ189)، وشرح نونية ابن القيم لابن عيسى (2 593)، ولمعة الاعتقاد ص26، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1 177).

الصفحة 294