كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)

فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} (¬1)، وقوله تعالى: {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} (¬2)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} (¬3)، {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} (¬4)، {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ *فَعَّالٌ/ لِمَا يُرِيدُ} (¬5).
(فالحاصل) (¬6) من هذه القضية أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَقْلِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يدي الشرع، فإنه من (التقديم) (¬7) بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، بَلْ يَكُونُ مُلَبِّيًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ.
ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا هو (مذهب الصحابة) (¬8) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَلَيْهِ دَأَبُوا، وَإِيَّاهُ اتَّخَذُوا طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ فَوَصَلُوا، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ سَيْرِهِمْ أَشْيَاءُ:
مِنْهَا: أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ أَقَرُّوا وَأَذْعَنُوا لِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى الله عليه وسلّم، ولم يصادموه (بمعقول) (¬9) وَلَا عَارَضُوهُ بِإِشْكَالٍ، وَلَوْ/ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَنُقِلَ إِلَيْنَا كَمَا نُقِلَ إِلَيْنَا سَائِرُ سِيَرِهِمْ وَمَا جَرَى بَيْنَهُمْ مِنَ الْقَضَايَا وَالْمُنَاظَرَاتِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ/ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ آمَنُوا (به) (¬10) (وأمرّوه) (¬11)، كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ وَلَا نَظَرٍ.
كان مالك بن أنس رحمه الله يَقُولُ: الْكَلَامُ فِي الدِّينِ أَكْرَهُهُ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ بَلَدِنَا يَكْرَهُونَهُ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ، نَحْوَ الْكَلَامِ فِي رَأْيٍ جَهْمٍ وَالْقَدَرِ، وَكُلِّ مَا/ أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا أُحِبُّ الْكَلَامَ إِلَّا فِيمَا تَحْتَهُ عَمَلٌ، فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الدِّينِ وَفِي اللَّهِ عز وجل فالسكوت أحب إلي (منه) (¬12)، لأني رأيت أهل بلدنا
¬_________
(¬1) سورة الأنعام: الآية (149).
(¬2) سورة آل عمران: الآية (40).
(¬3) سورة المائدة: الآية (1).
(¬4) سورة الرعد: الآية (41).
(¬5) سورة البروج: الآية (15 ـ 16).
(¬6) في (ت): "والحاصل".
(¬7) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "التقدم".
(¬8) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "المذهب للصحابة".
(¬9) زيادة من (غ) و (ر).
(¬10) ساقط من (غ) و (ر).
(¬11) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وأقرّوه".
(¬12) زيادة من (غ) و (ر).

الصفحة 299