كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)

/قَالُوا: فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَرَدَتْ بِالْعَمَلِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْعَامِلَ بِهِ لَنْ يَضِلَّ، وَلَمْ يَأْذَنْ (لِأَحَدٍ) (¬1) فِي الْعَمَلِ بِمَعْنًى ثَالِثٍ غَيْرِ مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ كَانَ ثَمَّ ثَالِثٌ لَمْ يَدَعْ بَيَانَهُ، (فَدَلَّ) (¬2) على (أنه) (¬3) لا ثالث، و (أن) (¬4) من ادَّعَاهُ فَهُوَ مُبْطِلٌ.
قَالُوا: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهُ صلّى الله عليه وسلّم قَدْ سنَّ لِأُمَّتِهِ وَجْهًا ثَالِثًا وَهُوَ قَوْلُهُ: (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ) (¬5)، وَقَوْلُهُ: (الْإِثْمُ حُوَّازُ) (¬6) الْقُلُوبِ) (¬7) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قُلْنَا: لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ لَكَانَ ذَلِكَ إِبْطَالًا لِأَمْرِهِ بِالْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذا صحَّا مَعًا؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَمْ تَرِدْ بِمَا اسْتَحْسَنَتْهُ النُّفُوسُ وَاسْتَقْبَحَتْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ وَجْهًا ثَالِثًا لَوْ خَرَجَ شَيْءٌ مِنَ الدِّينِ عَنْهُمَا، (وَلَيْسَ) (¬8) بِخَارِجٍ، فَلَا ثَالِثَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ: (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ) وَنَحْوَهُ أَمْرًا لِمَنْ لَيْسَ فِي مَسْأَلَتِهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَاخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ، فَيُعَدُّ وَجْهًا ثَالِثًا.
قُلْنَا: (لَا يَجُوزُ) (¬9) ذَلِكَ لِأُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ بِعَيْنِهِ قَدْ نُصِبَتْ عَلَى حُكْمِهِ دَلَالَةٌ، فَلَوْ كَانَ فَتْوَى/ الْقَلْبِ، وَنَحْوِهِ دَلِيلًا لَمْ يَكُنْ (لِنَصْبِ) (¬10) الدَّلَالَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ معنى، فيكون/ عبثاً، وهو باطل.
¬_________
=الفارسي في سنن ابن ماجه (2 1117)، برقم (3367)، والترمذي (4 220)، برقم (1726) ـ وحسنه الألباني ـ والطبراني في المعجم الكبير (6 250 و261)، برقم (6124 و6159)، والبيهقي في السنن الكبرى (9 320 و10 12) برقم (19175 و19506 و19507)، وورد بنحوه عن ابن عباس موقوفاً، انظر (ص75).
(¬1) في (غ) و (ر): "لأمته".
(¬2) في (ط): "فعدل".
(¬3) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "أن".
(¬4) زيادة من (غ) و (ر).
(¬5) سبق تخريجه (ص71) ت7.
(¬6) في (م): "جواز"، وفي (خ) و (ت): "خوار".
(¬7) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (5434)، وورد موقوفاً، حيث تقدم (ص72) ت3.
(¬8) في (ت): "ولا".
(¬9) في (خ): "يجوز".
(¬10) في (ط): "لنصت".

الصفحة 77