كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (¬1)، فَأَمَرَ الْمُتَنَازِعِينَ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ دُونَ حديث النفوس وفُتيا القلوب.
والثالث: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (¬2)، فَأَمَرَهُمْ بِمَسْأَلَةِ أَهْلِ الذِّكْرِ لِيُخْبِرُوهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَسْتَفْتُوا فِي ذلك أنفسهم.
والرابع: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ/ لِنَبِيِّهِ احْتِجَاجًا عَلَى من أنكر وحدانيته: {ت ث ج ح خ د} (¬3) إِلَى آخِرِهَا، فَأَمَرَهُمْ بِالِاعْتِبَارِ (بِعِبْرَتِهِ) (¬4) / وَالِاسْتِدْلَالِ بِأَدِلَّتِهِ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أن يستفتوا فيه نفوسهم ويصدروا عَمَّا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ قُلُوبُهُمْ، وَقَدْ وَضَعَ الْأَعْلَامَ وَالْأَدِلَّةَ، فَالْوَاجِبُ/ فِي كُلِّ مَا وَضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ الدَّلَالَةَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِأَدِلَّتِهِ عَلَى مَا دلت (عليه) (¬5) دُونَ فَتْوَى النُّفُوسِ، وَسُكُونِ الْقُلُوبِ/ مِنْ أَهْلِ الجهل بأحكام الله.
هذا مَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَمَّنْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ (اخْتَارَ) (¬6) إِعْمَالَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، إِمَّا لِأَنَّهَا صَحَّتْ عِنْدَهُ (أَوْ صَحَّ) (¬7) مِنْهَا عِنْدَهُ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ معانيها؛ كحديث: "الْحَلَالُ بيِّن وَالْحَرَامُ بيِّن وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ" (¬8) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ خرَّجه الْإِمَامَانِ، ولكنه لم يُعملها في كل (شيء) (¬9) مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي تَشْرِيعِ الْأَعْمَالِ وَإِحْدَاثِ التَّعَبُّدَاتِ، فَلَا يُقَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِحْدَاثِ الْأَعْمَالِ: إِذَا اطْمَأَنَّتْ نَفْسُكَ إِلَى هَذَا الْعَمَلِ فَهُوَ بِرٌّ، أَوِ اسْتَفْتِ قَلْبِكَ فِي إِحْدَاثِ هَذَا الْعَمَلِ، فَإِنِ اطْمَأَنَّتْ إليه نفسك فاعمل به وإلا فلا.
¬_________
(¬1) سورة النساء: الآية (59).
(¬2) سورة النحل: الآية (43).
(¬3) سورة الغاشية: الآية (17).
(¬4) في (م) و (غ) و (ر): "بعبرة".
(¬5) زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(¬6) في (م): "اخبار".
(¬7) في (ر): "وأصح".
(¬8) تقدم تخريجه (1/ 183).
(¬9) زيادة من (غ) و (ر).
الصفحة 78