كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)
/فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرَيْنِ، نَظَرٍ فِي دَلِيلِ الْحُكْمِ، وَنَظَرٍ فِي مَنَاطِهِ (¬1)، فأما النظر في دليل الحكم (فإن الدليل) (¬2) لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنَ الْكِتَابِ (أو السنة) (¬3) أَوْ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمَا (مِنْ) (¬4) إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ، وَلَا نَفْيُ رَيْبِ الْقَلْبِ إِلَّا مِنْ/ جِهَةِ اعْتِقَادِ كَوْنِ الدَّلِيلِ/ دَلِيلًا أَوْ غَيْرَ دليل، ولا يقول (بذلك) (¬5) أحد ـ إِلَّا أَهْلَ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَسْتَحْسِنُونَ (الْأَمْرَ) (¬6) بِأَشْيَاءَ لَا دَلِيلَ (عَلَيْهَا) (¬7)، أَوْ يَسْتَقْبِحُونَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ إِلَّا طُمَأْنِينَةَ النَّفْسِ ـ أَنَّ الْأَمْرَ كما زعموا، وهو مخالف لإجماع المسلمين.
وأما النظر (الثاني الذي هو) (¬8) فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْمَنَاطَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا/ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَقَطْ، بل (قد) (¬9) (يَثْبُتُ) (¬10) بِدَلِيلٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ، أَوْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فلا يشترط (في تحقيقه) (¬11) بُلُوغَ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، بَلْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ فَضْلًا عَنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا سَأَلَ عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ جِنْسِ/ الصَّلَاةِ إِذَا فَعَلَهُ الْمُصَلِّي هَلْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ (له) (¬12) (العالم) (¬13): إِنْ كَانَ يَسِيرًا فَمُغْتَفَرٌ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فمبطل. (لم يفتقر) (¬14) في اليسير إِلَى أَنْ يُحَقِّقَهُ (لَهُ) (¬15) الْعَالِمُ، بَلِ الْعَاقِلُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفِعْلِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ، فَقَدِ انْبَنَى ها هنا الْحُكْمُ ـ وَهُوَ الْبُطْلَانُ أَوْ عَدَمُهُ ـ عَلَى مَا يَقَعُ بِنَفْسٍ الْعَامِّيُّ، وَلَيْسَ وَاحِدًا مِنَ الْكِتَابِ أو
¬_________
(¬1) المناط: هي علة الحكم، لأنها مكان نوطه أي تعليقه. انظر مذكرة الشنقيطي (ص291).
(¬2) زيادة من (غ) و (ر).
(¬3) في (ط) و (خ): "والسنة".
(¬4) في (ط) و (خ): "عن".
(¬5) زيادة من (غ) و (ر).
(¬6) في (ت): "الأمور".
(¬7) ساقطة من (م).
(¬8) ما بين القوسين زيادة من (ت).
(¬9) زيادة من (غ) و (ر).
(¬10) في (م): "تثبت".
(¬11) في (ط) و (خ) و (ن): "فيه"، وهي ساقطة من (م).
(¬12) زيادة من (غ) و (ر).
(¬13) في (ط) و (خ) و (ت): "العامي".
(¬14) في (ط): "لم يغتفر". وفي (ت): "ولم يفتقر".
(¬15) ساقط من (غ) و (ر).
الصفحة 83