كتاب شرح كتاب سيبويه (اسم الجزء: 3)

يأتيني بمنزلة عبد الله- وأنت لا يجوز لك أن تقول: عبد الله فله درهمان؟ فقال: إنما يحسن في الذي لأنه جعل
الآخر جوابا للأول، وجعل الأول به يجب له الدرهمان، فدخلت الفاء هاهنا، كما دخلت في الجزاء، إذا قلت: إن يأتني فله درهمان، وإن شاء قال: الذي يأتيني له درهمان، كما تقول: عبد الله له درهمان، غير أنه إنما أدخل الفاء لتكون العطية مع وقوع الإتيان، فإذا قال: له درهمان، فقد يكون ألا يوجب له ذلك بالإتيان، فإذا أدخل الفاء، فإنما يجعل الإتيان سبب ذلك، فهذا جزاء وإن لم يجزم لأنه صلة، ومثل ذلك قولهم:
كل رجل يأتينا فله درهمان، ولو قال: كل رجل فله درهمان كان محالا.
لأنه لم يجئ بفعل، ولا بعمل يكون له جواب.
ومثل ذلك قول الله- تعالى-: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ (¬1) وقال- تبارك وتعالى-: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ (¬2).
وسألت الخليل عن قول الله- تبارك اسمه-: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها (¬3) أين جوابها؟ وعن قوله- جل ثناؤه-: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ (¬4)، وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ (¬5) فقال: إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر في كلامها لعلم المخبر لأي شيء وضع هذا الكلام.
وزعم أنه وجد في أشعارها ((ربّ)) لا جواب لها. من ذلك قول الشماخ:
ودويّة قفر تمشيّ نعامها … كمشي النّصارى في خفاف اليرندج (¬6)
فهذه القصيدة التي فيها هذا البيت لم يجئ فيها جواب (رب) لعلم المخاطب أنه يريد: قطعتها، أو ما فيه هذا المعنى.
قال أبو سعيد: أما قوله حسبك وكفيك وشرعك: فهي أسماء مبتدأة وأخبارها
¬__________
(¬1) سورة البقرة، الآية: 274.
(¬2) سورة الجمعة، الآية: 8.
(¬3) سورة الزمر، الآية: 71.
(¬4) سورة البقرة، الآية: 165.
(¬5) سورة الأنعام، الآية: 27.
(¬6) البيت في ديوانه 83؛ الكتاب 3/ 104.

الصفحة 307