كتاب شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (اسم الجزء: 3)

قلت: قد ذكر هذا المعنى القاضي أبو الوليد الباجي في "المُنتقَى في شرح الموطَّا" (¬1)، غير أن [هذا] (¬2) الشارح قد قدم عن الشافعي - رحمه الله - أنه قال: لو كان واجبًا لأمرهم به؛ شقَّ، أو لم يشق (¬3).
وهذا الكلام يدلُّ على عدم الاجتهاد، وتعيُّن الحكم بالنص؛ لأنَّ الحديث دل على أن المشقة مانعةٌ (¬4) من الأمر؛ أعني: أمره - صلى الله عليه وسلم -، فعلى تقدير تعيين الحكم بالنص لا تكون المشقة مانعة من أمره - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه لو وجب بالنص لأمرَ؛ شقَّ أو لم يشقَّ؛ [كما] (¬5) قال الشافعي - رحمه الله تعالى -، فيكون المانعُ من أمره - صلى الله عليه وسلم - عدمَ ورود النص بالوجوب، لا المشقة.
وعلي تقدير جواز الاجتهاد صحَّ أن تكون المشقةُ مانعة من الأمر؛ [لأن الاجتهاد إذا اقتضى أن تكون المشقة مانعة من الوجوب اقتضى ذلك عدمَ الأمر، فتكون المشقة مانعة من الأمر] (¬6)، فمن لوازم كونِ المشقة مانعةً أن يكون الاجتهاد جائزًا، وهذا الملزوم ثابت بالحديث، فثبت جواز الاجتهاد (¬7).
¬__________
(¬1) انظر "المنتقى" له (1/ 130).
(¬2) زيادة من "ت".
(¬3) وهو كذلك في "الأم" (1/ 23).
(¬4) "ت": "هي المانعة".
(¬5) سقط من "ت".
(¬6) زيادة من "ت".
(¬7) قال الحافظ في "الفتح" (2/ 376): وهو كما قال.

الصفحة 110