كتاب شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (اسم الجزء: 3)

تراخٍ معنوي، وهو أنَّ كل فعل ذكر يفيد (¬1) في إثبات الوصف المذكور أولًا إن كان مثبتًا، وفي نفيِهِ إن كانَ منفيًا، ألا ترى أن قولَك: يعطي المالَ، مثبتٌ لصفة الكرم (¬2)، وقولك: لا يغصبُ المال، نافٍ لصفة الظلم، فكأن المتكلمَ قصد بالفعل الأول الاستقلال بالبيان، ثم لما فرغ منه قصد بيانًا ثانيًا مستقلًا بالبيان (¬3)، فتركُ الانتقالِ عن قصد الاستقلال بالأول إلى قصد إنشاء بيان ثانٍ [نزَّله] (¬4) منزلة تراخٍ في الوجود، كما عطف (الآخِرَ) على (الأول) في قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3]، لما قُصد الاستقلالُ بكل منهما، وامتنع العطف في قولك: الرمانُ حلوٌ حامضٌ، لما قُصِدَ عدمُ استقلال كلٍّ (¬5) منهما.
وهذا المعنى بعينهِ يستعملُ في الفاء؛ نحوَ قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227]، فالفاء دخلت لتبيينِ حكمِ المُولي في زمن التربّصِ بجملتي الشرط بعدها، لا لتعقيبهما زمنَ التربص؛ هكذا قال أبو حنيفةَ - رحمهُ الله - (¬6)، ومثلُهُ قولُ العرب:
¬__________
(¬1) "ت": "مقيدًا".
(¬2) في الأصل: "الكريم"، والمثبت من "ت".
(¬3) في الأصل: "بالمال"، والمثبت من "ت".
(¬4) زيادة من "ت".
(¬5) في الأصل "الاستقلال بكل"، والمثبت من "ت".
(¬6) انظر: "شرح فتح القدير" (4/ 191).

الصفحة 460

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text