كتاب مجلة «الزهور» المصرية (اسم الجزء: 3)

مما هي عليهِ في هذه العصور المتأخرة؛ وكان الهواء أجف من هذا السكاك , وأحرَّ منهُ؛ وكان أجدادنا الفضلاء أصحاب جدٍّ وكدٍّ وجلَد وقناعة سامية يا قومي , إن حواسّي وإن كان قد فلَّ غربها , وكلَّت شباة ذاكرتي , إلاَّ أني أؤكد لكم أن هذا النجم المتلألئ المجيد , يتحرَّك ويسير. ولقد رأيتُ بزوغهُ الأول من ورآه قمة هذا الطود الباذخ , ونشأتُ في الوقت الذي أخذ يرتفع رويداً رويداً على الأفق , ويخطو بعد ذلك في السماء خطوات جبَّارٍ عنيد من أعظم الجبابرة قوةً وحولاً وطولاً وهولاً. ولقد تقدَّم في السماء تقدُّماً حثيثاً مدة إعصار متطاولة متتالية , وهو يقذف حرارةً غريبة , وأنواراً عجيبة , لا يمكنكم أبداً أن تتصورها , إن لم تروها بعيونكم؛ بل ما كان يمكنكم أن تحتملوا أمريهِ الأمرين أما الآن , وقد قارب الأُفول , وإن يوارى في قبور المياه , أرى أن أفراد هذه الأمة كلها سائرة , بل صائرة إلى الزوال والاضمحلال الوشيك , وتسجَّى هذه الدنيا الغرور بأكفان الظلمات , في أقلّ من مائة من الدقائق واحرَباه! يا أصدقائي , واحرباه! ما أعظم ما كان غروري في سابق العهد , في عنفوان شبابي , وغضاضة إهابي! كنتُ إخالني من الخالدين المقيمين في هذه الأرض! وإن ليس من شيءٍ في هذه الدنيا يستطيع أن يتغلّب عليَّ , ويُفنى جواهر بدني , وعناصره المتركب منها! وكنت إذا نظرت إلى مساكني التي كنت قد نحتّها في الصلصال

الصفحة 195

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text