كتاب دولة الإسلام في الأندلس (اسم الجزء: 4)

من قبل، ولحق الجند والناس من جراء ذلك ضيق وشدة. ووقف الناصر على ذلك، فاستشاط غضباً، وأدرك ما هنالك مما يرتكب من ضروب الإهمال والاختلاس، فأمر بمؤاخذة سائر العمال المقصرين ومعاقبتهم، وطلب إلى الشيخ أبي محمد بن أبي علي بن مثنى صاحب الأعمال المخزية والأشغال العملية، بالقبض على عامل فاس، وهو عبد الحق بن أبي داود، فقبض عليه وعلى سائر نوابه من العمال المحليين، واستصفيت أموالهم. وكذلك أمر الناصر، حينما وصل إلى قصر كتامة بالقبض على عامل سبتة محمد بن يحيى المسّوفى، لما بدا من إهماله وفساده، والقبض كذلك على سائر نوابه، وتوجيههم جميعاً مصفدين إلى صاحب الأعمال بفاس (¬1).
وحشدت السفن من سائر الأنحاء، لعبور الجيوش الموحدية إلى شبه الجزيرة، واستمر عبورها بضعة أسابيع، واستمر الناصر مقيماً بالقصر، حتى تم عبور ساقته وأثقاله وحاشيته وحرسه. وركب البحر في يوم الاثنين أول شهر ذي الحجة (15 مايو) ونزل بساحل طريف، وهنالك استقبله قواد الأندلس وفقهاؤهم، وأقام بطريف ثلاثة أيام، ثم سار في جيوشه الجرارة إلى إشبيلية، فوصلها يوم الاثنين منتصف ذي الحجة (آخر مايو) ونزل بقصور البحيرة الواقعة إزاء باب جهور، وتم استقرار الجيوش الموحدية بالحاضرة الأندلسية، وذلك في نهاية سنة 607 هـ (منتصف يونيه سنة 1211 م).
وما كاد الناصر يستقر بإشبيلية حتى أمر باستنفار الحشود الأندلسية، وصنع الآلات الحربية، واستدعاء الجند والغزاة، من سائر الكور، ووصولهم مع العمال والولاة، فلما تم تنفيذ هذه الأوامر، وتم حشد الجند، واستكمال الأمداد من سائر الجهات، وأصبحت الجيوش الموحدية في حالة تعبئة كاملة، شرع الناصر في الحركة، وخرج من إشبيلية في جيوشه من الموحدين والعرب وأهل الأندلس والمطوعة والأغزاز وغيرهم من طوائف الجند، وسار جنوبي الوادي متجهاً نحو قرطبة، ثم سار منها إلى جيّان وبيّاسة، وكان النصارى هم الذين حددوا بتصرفهم، الهدف الذي يقصد إليه الناصر بجيوشه، وهو قلعة شلْبَطَرّة (¬2)
¬_______
(¬1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 237، وروض القرطاس ص 155.
(¬2) شلبطرة حسبما يرسمها صاحب الروض المعطار (ص 109) هي بالإسبانية Salvatierra ويرسمها صاحب روض القرطاس (ص 156) وابن خلدون (ج 6 ص 249) سربطرة أو شربطرة. ويرسمها المراكشي (المعجب ص 182) شلب ترة، ويقول إن معناها " الأرض البيضاء " ويتابعه في هذا الرسم النويرى (طبعة ريميرو ج 8 ص 279)

الصفحة 286