كتاب دولة الإسلام في الأندلس (اسم الجزء: 4)

الشرقية مثوى بني غانية، ونأيها عن مركز الحكومة الموحدية، وثرواتها الطائلة، مسرحاً له، والذى كانت تحدوه في البداية مثلٌ سياسية وقومية، ثم انحدر بعد طول النضال، إلى غزوات خاطفة، ومعارك ناهبة. وقد وصل ابن غانية إلى ذروة سلطانه، بالاستيلاء على سائر قواعد إفريقية بما فيها العاصمة تونس، خلا بجاية، ثم قلب له الحظ ظهر المجن، فانتزع الموحدون الجزائر الشرقية، مثوى أسرته وموئل سلطانها، ومستودع مواردها، وذلك في سنة 600 هـ، ثم لقى هزيمته الحاسمة في موقعة جبل تاجرا في سنة 602 هـ. ومع ذلك، وبالرغم من تمزق حشوده، وتضاءل موارده، فإنه لم يخْبُ له عزم، ولم تضعف له إرادة، فاستمر في نضاله اليائس أعواماً طويلة أخرى، ولكنه كان نضال العصبة المغامرة، والانتقام المضطرم. وكان من الواضح أن الحلم الذي كان يجيش به بنو غانية، وهو العمل على إحياء الإمبراطورية المرابطية في إفريقية، وفوق أنقاض سلطان الإمبراطورية الموحدية، قد تحطم وتلاشى، بيد أنه لم يك شك أيضاً في أن هذه الضربات المتوالية، التي أنزلها علي بن إسحاق بن غانية، وأخوه يحيى، مدى نصف قرن بسلطان الموحدين وجيوشهم في إفريقية، قد هزت من أركان الدولة الموحدية وساعدت على تفككها، وتبديد مواردها وقواها، وكانت عاملا من أهم العوامل التي اجتمعت في تلك الفترة، لتمهد إلى انهيارها وسقوطها.
وقد عاش يحيى بن غانية أعوامه الأخيرة بين قليل من الصحب والجند، حياة شريد لا يستقر له مقام، بيد أنه لم ينقطع عن الإغارة على تخوم إفريقية كلما استطاع، ولم ينقطع أمير افريقية، وكان عندئذ أبا زكريا يحيى عن مطاردته ورده عن أراضيه، وأقام فوق ذلك في مختلف الحدود مراكز ثابتة، مزودة بالجند للسهر على حركات الثائر، وإخمادها في بدايتها، ومع ذلك فإن ابن غانية كان دائم النشاط والحركة، دائم الإغارة والعيث، حتى أنه كان من وقت لآخر يصل في غاراته شمالا حتى وادي شليف، واستمرت هذه الغارات حتى سنة 626 هـ. بيد أن هذه لم تكن سوى النفثات الأخيرة لثورة عاتية، ولم يكن يلتف حوله عندئذ سوى القلائل من صحبه المخلصين، ولم يكن له أهل ولا ولد، بعد أن مات أخوته وولداه في ساحة الحرب، سوى عدد من البنات، وكان في هذه الأعوام الأخيرة، يشهد انحلال الدولة الموحدية التي نذر نفسه لكفاحها، ولكنه كان يرى في نفس الوقت أنه لم يجن من صراعه وصراع أسرته،،،،،،

الصفحة 377