كتاب دولة الإسلام في الأندلس (اسم الجزء: 4)

وأخذت في مهاجمتها والتضييق عليها، فأمر العزفى قائد أسطوله أبا العباس الرنداحي أن يخرج في سفنه لردها. ووقعت بين الفريقين معركة بحرية، هزمت فيها السفن الأندلسية وقتل قائدها ظافر، وحملت رأسه إلى سبتة، وطيف بها، وسمى هذا العام في سبتة بعام ظافر (¬1). ثم هدأت الأحوال بعد ذلك، ولم يفكر ابن الأحمر في استئناف محاولته ضد سبتة.
ولما اقترب أجل انتهاء معاهدة التهادن والسلم المعقودة بين ابن الأحمر ومملكة قشتالة، وقد عقدت حسبما تقدم في سنة 643 لمدة عشرين عاما، سار ابن الأحمر في أوائل سنة 662 هـ (1264 م) لمقابلة ملك قشتالة في إشبيلية، وهو يومئذ ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم، وكان قد خلف أباه فرناندو الثالث في الملك عقب وفاته في مايو سنة 1252 م، ليسعى لديه في تجديد المعاهدة. وكان معه صهراه الزعيمان أبو محمد وأبو اسحق ابنا أشقيلولة، وقوة من خمسمائة فارس. فخرج إليه ألفونسو ودعاه لزيارته داخل المدينة، فاستجاب ابن الأحمر، ودخل إشبيلية مع صهريه وثلة من فرسانه، ونزل بالعبادية من أحيائها. ولكنه سرعان ما نمى إليه أن النصارى، قد سدوا الدروب الموصلة إلى مكانه ليلا بالخشب المسمرة، وذلك لكي تعيق سير الخيل، فخشى البادرة على نفسه، وخرج في الحال مع صحبه، واقتحموا تلك الدروب، وغادر ابن الأحمر إشبيلية مغضباً، وقد شعر بنية الغدر والخيانة، ولم يقنع بما أبداه له ألفونسو من أعذار وإيضاحات. ومر في طريقه إلى غرناطة بشذونة (مدينة ابن السليم) (¬2)، وغيرها، وهو يوصى أهلها بالأهبة والتحرز من غدر النصارى، وكان هذا الحادث سبباً في فساد العلائق بين غرناطة وقشتالة (¬3).
والواقع أن ابن الأحمر كان يعتزم في قرارة نفسه، أن ينتهز أول فرصة للتحرر من ذلك الغل المهين، الذي صفدته به معاهدته مع قشتالة، بيد أنه كان يرى من جهة أخرى أنه لا يستطيع بمفرده أن يناهض قوة قشتالة الضخمة المتزايدة. وقد كشف ألفونسو العاشر نفسه عن نيات قشتالة العدائية، بزحفه في نفس العام (662 هـ) على غرناطة ومضايقتها أياما (¬4). وبالرغم من أنه لم ينل منها مأربا،
¬_______
(¬1) البيان المغرب ص 431.
(¬2) شذونة أو مدينة ابن السليم هي بالإسبانية Medina Sedonia
(¬3) البيان المغرب ص 437 و 438.
(¬4) الذخيرة السنية ص 111.

الصفحة 434