كتاب الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة (اسم الجزء: 4)
فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَاكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (¬١)؛ والسخرية بالناس من سمات الكفار والمنافقين، وقد نُهينا عن التشبه بهم، قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم (٧٩)} [التوبة].
قال ابن كثير رحمه الله: «هذه أيضًا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى المتصدقون لا يسلمون منهم؛ إن جاء أحدهم بمال كثير قالوا: مُراءٍ، وإن جاء بقليل قالوا: إن اللَّه لغني عن صدقة هذا» (¬٢). اهـ.
والسخرية تميت القلب وتورثه الغفلة، حتى إذا كان يوم القيامة ندم الساخر وتحسَّر على فعله، قال تعالى: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِين (٥٦)} [الزمر].
والسخرية من الناس عاقبتها وخيمة في الدنيا والآخرة، في الدنيا: قد يُبتَلَى الساخر بمثل ما سخر به، وفي الآخرة: عذاب اللَّه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُون (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُون (٣٠) وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِين (٣١)} [المطففين].
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا
---------------
(¬١) ص: ٢٩، برقم ٣٠.
(¬٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٢٤٧).