كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 100 """"""
وقال الشاعر :
ستلقى الذي قدمت للشر محضراً . . . وأنت بما تأتي من الخير أسعد
وإن أصر الملك عليها فليلن الوزير في متاركته ، ويحجم عن مساعدته ؛ وهو خداعٌ يتدلس بالمغالطة ويخفى بالحزم ؛ فليستنجد فيه عقله ، ويستعمل فيه حزمه ؛ ليسلم من تنكره ، ويخلص من وزره .
فقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن من شرار الناس عند الله يوم القيامة عبداً أذهب آخرته بدنيا غيره " .
والثالث من حذره منه أن يذب عن نفسه وملكه بما استطاع من مال ونفس ؛ فإنه عن نفسه يذب ، ولها يرب ؛ فإنه لا يصلح حاله مع فساد حال ملكه وهو فرع من أصله .
وهو يسترسل لثقته به ، ويستسلم لتعويله عليه ؛ فليقابل ثقته بأمانته ، واستسلامه بكفايته ، ولا يلجئه أن يباشر دفع الخوف والحذر ، فيلجئه إلى ما هو أخوف وأحذر ؛ لأن الوزير يخاف الملك ويخاف ما يخافه ، فيتوالى عليه خوفان ، ويتمالأ عليه خطران .
قال شاعر :
إن البلاء يطاق غير مضاعفٍ . . . فإذا تضاعف صار غير مطاق
وأما حذره من زمانه
فلأنه يتقلب بألوانه ، ويخشن بعد ليانه ، فيسلب ما أعطى ويفرق ما جمع .
وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " أنظروا دور من تسكنون وأرض من تزرعون وفي طرق من تمشون " .
وقال بعض الحكماء : الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها .
وقال بعض البلغاء : إن الدنيا تقبل إقبال الطالب ، وتدبر إدبار الهارب ؛ لا تبقى على حالة ، ولا تخلو من استحالة ؛ تصلح جانباً بإفساد جانب ، وتسر صاحباً بمساءة صاحب ؛ فالكون فيها على خطر ، والثقة بها على غرر .
وقال قيس بن الخطيم :
ومن عادة الأيام أن خطوبها . . . إذا سرّ منها جانبٌ ساء جانب
والحذر من الزمان يكون من أربعة أوجه : أحدها : ألاّ يثق بمساعدته ، ولا يركن إلى مياسرته ، فيغفل عن الحذر والاستعداد ، فربما انعكس فافترس ، وغافص فاختلس .
وقد قيل : للدهر صروف ،