كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 102 """"""
أحدها خيرٌ عاقل يسالم بخيره ، ويساعد بعقله ؛ فالظفر به سعادةٌ ، والاستعانة به توفيقٌ .
فليجتهد ألاّ يفوته وإن كان قليل الوجود ، ليحظى بخيره ويسعد بعقله .
وقلّ أن يكون الخير العاقل إلاّ متحلياً بالعلم متزيناً بالأدب .
فإذا أظفره الزمان بمن تكاملت فضائله ، وتهذبت خصائله ، فليتخذه ذخيرة نوائبه ، وعدة شدائده ، يجده كفيل صلاحها ، وزعيم نجاحها .
والطور الثاني : شريرٌ جاهل يضر بشره ، ويضل بجهله .
فليحذر مخالطته ، فهي أضر من السم ، وأنفذ من السهم .
وشره بجهله منتشرٌ يضعف إن تورك ، ويقوى إن شورك ؛ فليكفف شره بالإبعاد ، ولا يعزه بالتقريب ، فيلحقه ضرري شره وجهله .
وضرر الجهل أعم من ضرر الشر ؛ لأن قانون الشر معلوم ، وقانون الجهل غير معلوم .
والطور الثالث : خيرٌ جاهلٌ يسالم بخيره ، ويضل بجهله ؛ فليقاربه ، إن شاء ، لخيره ، ولا يستعمله لجهله ؛ ليكون بخيره موسوماً ، ومن جهله سليماً .
والطور الرابع : شريرٌ عاقل وهو الداهية المكر ، يستعمل للخطوب إذا حزبت .
فليكن على حذرٍ من مكره ، ويتاركه في الدعة على استدفاعٍ لشره .
وقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " .
ومثل هذا يستكف بمعونةٍ تمده ، ومراعاةٍ ترضيه ؛ فإنه كالسبع الضاري إن أجعته هاج ، وإن أشبعته سكن ؛ ليكون مذخوراً للحاجة ؛ فإن للزمان خطوباً لا تدفع إلا بشرار أهله ؛ كما قال حذيفة بن اليمان لرجل : أ يسرك أن تغلب شر الناس ؟ قال : نعم ؛ قال : إنك لن تغلبه حتى تكون شراً منه .
فيعدّ لخطوب الشر إن طرقت ؛ فإنه بها أخبر ، وعلى دفعها أقدر ، ولأهلها أقهر ؛ ف " إن الحديد بالحديد يفلح " .
فيستكف إلى حينها بما يدفع عادية شره ، ويقطع غائلة مكره ، وإن كانت ضراوة الشر أجذب ، وطباع

الصفحة 102