كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 109 """"""
وقد قال سابور بن أردشير في عهده إلى ابنه هرمز : ينبغي للوزير أن يكون قوي الأمر ، مقبول القول ، يمنعه مكانه منك ، من الضراعة لغيرك ، وتبعثه الثقة بك ، على بذل النصيحة لك ، ويشجعه ما يعرف من رأيك ، على مقاومة أعدائك ؛ وأحذرك أن تنزل بهذه المنزلة من سواه من خدمك .
والثاني : أن يثق منه بأربعة أشياء : ألا يؤاخذه بغير ذنب ، وألا يطمع في ماله من غير خيانة ، وألا يقدم عليه من هو دونه ، وألا يمكن منه عدواً .
وقد عهد ملكٌ إلى ابنه فقال : يا بني ، إنك لن تصل إلى إحكام ما تريده من تدبير ملكك إلا بمعونة وزرائك وأعوانك ، فأعنهم على طاعتك بمياسرتك ، وعلى معونتك بمساعدتك .
والثالث : أن يحفظ منزلته من أربعة أشياء : الأول ألا يرتاب بباطنه وظاهره سليمٌ ، فيؤاخذ بالظن ، ويعجز عن دفعه باليقين ؛ فليس يؤاخذ بضمائر القلوب ، إلا علاّم الغيوب .
قيل لكسرى قباذ : إن قوماً من خواصك قد فسدت سرائرهم ؛ فوقع : أن أملك الأجساد دون النيات ، وأحكم بالعدل لا بالرضا ، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر .
والثاني : ألا يستبدل به ونظره مستقيم ، فيقل نفعه ، ويضعف نشاطه ، ولا يجهد نفسه في النهوض بما كفله ؛ فإن داعي الطبع أبلغ من مصنوع التكلف .
وقد اتخذه لاستقامةٍ وجدها به .
فإذا أضاع حقه بالاستبدال ظلم نفسه ، وكان من غيره على خطر .
وقد قال كسرى : الوزارة أبعد الأمور من أن تحتمل غير أهلها .
لأن الوزير من الملك بمنزلة سمعه وبصره ولسانه وقلبه ، لأنه مغلق الأبواب ، مستور عن الأبصار ؛ ليحفظه في أمواله ، ويستر خلله في أفعاله ؛ وحقيقٌ بمن كان بهذه المنزلة أن يكون محفوظا .
والثالث : ألا يؤاخذه بدرك ما جره القضاء وساقه القدر ، فيجعله غرضاً في معارضة خالقه .
وهل الوزير فيه إلا كالملك فأفعال الله عز وجل لا تكون ذنوباً لعباده .
وقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا أراد الله إنفاد قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم حتى ينفد فيهم قضاؤه وقدره " .
والرابع : ألا يحمله ما ليس في قدرته ، ولا يكلفه ما ليس في طاقته ، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها .
وما ذاك إلا من دواعي التجني ، ومبادئ التنكر .
فهذه حقوق الوزير على سلطانه .
وهي مقابلة لحقوق السلطان على وزيره .
لكن حقوق الوزير موضوعةٌ على المسامحة في أكثرها ، وحقوق السلطان موضوعةٌ على المؤاخذة بأقلها ؛ لاستطالته عليه بالقدرة وقصوره عنه بالنيابة .
وحيث ذكرنا هذه الحقوق الداخلة في وزارة التفويض فلنذكر وزارة التنفيذ .

الصفحة 109