كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 111 """"""
والثاني من قوانينها أن يمد الملك برأيه ومشورته ؛
فإن الملك مع جزالة رأيه وصحة رويته محجوب الشخص عن مباشرة الأمور ، فصار محجوب الرأي عن الخبرة بها .
فاحتاج إلى بارز الشخص بالمباشرة ، ليكون بارز الرأي بالخبرة ؛ فليس شاهد كالغائب ، ولا المخبر كالمعاين .
والوزير أحق بهذه المرتبة .
وله في المشورة حالتان : إحداهما : أن يبتدئه الملك بالاستشارة ، فيلزمه إن يشير فيها برأيه سواء اختصت بملكه أو تعدت إلى غيره .
وعلى الوزير فيها حقان : أحدهما : اجتهاد رأيه في إيضاح الصواب .
والثاني : إبانة صحته بتعليل الجواب ليكون مجيباً ومحتجاً ، فيكفى توهم الزلل ويسلم من ظنة الارتياب .
والحلة الثانية : أن يبتدئ بالمشورة على الملك : فله فيها حالتان : إحداهما : ألا يقع بمشورته اجتلاب نفعٍ أو استدفاع ضرر .
فهذا تجوّز من الوزير ، وتبسطٌ على الملك ؛ إن أنكره فبحقه ، وإن احتمله فبفضله .
والثانية : أن يتعلق بمشورته اجتلاب نفع ، أو استدفاع ضرر .
فإن اختص بالمملكة كان من حقوق الوزارة ، وإن تجاوزها كان من نصح الوزير .
وعليه أن يذكر سبب ابتدائه ، ويوّضح صواب رأيه .
ويلزمه فيما يؤدى به من الاستشارة ويبدأ به من المشورة ، أن يكتمه عن كل خاص وعام ؛ لأمرين : أحدهما : أن الرأي لا يجب أن يظهر إلا بالأفعال دون الأقوال ؛ لأن ظهوره بالفعل ظفر ، وظهوره بالقول خطر .
وقد قيل : من وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه .
والثاني : أنه من أسرار الملك التي يجب أن تكتم في الصدور ، وتصان عن الظهور ؛ ليجمع بين تأدية الأمانة وطلب السلامة ؛ فإن في إفشاء سر الملك خطراً به وبمن أفشاه .
وقلما تعفو الملوك عن مفشي أسرارها ؛ لتردده بين خيانة وجناية .
أن يكون عيناً للملك ناظرة ،
وأذناً سامعة ، ينهي ما شاهد على حقه ، ويخبر بما سمع به على صدقه ؛ لأنه قد سوهم بالملك وميز بالاختصاص ، وندب للمصالح ؛ فهو القائم مقام الملك في مشاهدة ما غاب ، وسماع ما بعد .
وعليه في ذلك ثلاثة حقوق :

الصفحة 111