كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 114 """"""
قدمك .
فإن تشاغل الوزير براحته ، ومال إلى لذته ، سلبهما بالتنكر ، وعدمهما بالتغير .
والثالث : أن يكون لإحسان الملك شاكراً ؛ ولإساءته عاذراً ، يشكر على يسير الإحسان ، ويعذر على كثير الإساءة ، ليستمد بالشكر إحسانه ، ويستدفع بالعذر إساءته .
فإن عدل عنهما ، كان منه على ضدهما .
فقد قيل : أحق الناس بالمنع الكفور ، وبالصنيعة الشكور .
والرابع : أن يظهر محاسنه إن خفيت ، ويستر مساويه إن ظهرت ، لأنه بمحاسنه موسومٌ وبمساويه مقروف ، يشاركه في حمد محاسنه ، ويؤاخذ بذم مساويه .
وربما استرسل الملك لثقته بالاحتجاب ، فارتكب بالهوى ما يصان عن إذاعته ، فكان الوزير أحق بستره عليه ، لأنه الباب المسلوك منه إليه . والخامس : أن تخلص نيته في طاعته ، ويكون سره كعلانيته ، فإن القلوب جاذبة تملك أعنة الأجساد ؛ فإن اتفقا ، وإلا فالقلب أغلب ، وإلى مراده أجذب .
والقلوب تنم على الضمائر فتهتك أستارها وتذيع أسرارها .
وقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " في ابن آدم مضغةٌ إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب " .
والسادس : ألا يعارض الملك فيمن قرب واستبطن ، ولا يماريه فيمن حط ورفع ؛ فإنه يتحكم بقدرته ويأنف من معارضته .
فربما انقلب بسطوته إذا عورض ، ومال بانتقامه إذا خولف .
فبوادر الملك تسبق نذيرها ، وتدحض أسيرها ؛ فإن سلم من الخطر لم يسلم من الضجر .
والسابع : أن يتقاصر عن مشاكلة الملك في رتبته ، ويقبض نفسه عن مثل هيئته ، فلا يلبس مثل ملابسه ، ولا يركب مثل مراكبه ، ولا يستخدم مثل خدمه ؛ فإن الملك يأنف إن موثل ، وينتقم إن شوكل ، ويرى أن ذلك من أمواله المجتاحة ، وحشمته المستباحة .
وليقتصر على نظافة لباسه وجسده من غير تصنع ، فإن النظافة من المروءة ، والتصنع للنساء ؛ ليكون بالسلامة محفوظاً ، وبالحشمة ملحوظاً .
والثامن : أن يستوفي للملك ولا يستوفي عليه ، ويتأول له ولا يتأول عليه ؛ فإن الملك إذا أراد الإنصاف كان عليه أقدر ، وإن لم يرده فيد الوزير معه أقصر ؛ وإنما أراد الوزير عوناً لنفسه ولم يرده عوناً عليها .
فإن وجد إلى مساعدته سبيلاً سارع