كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 115 """"""
إليها ، وإن خاف ضررها وانتشار الفساد بها تلطف في كفه عنها إن قدر .
فإن تعذر عليه تلطف في الخلاص منها ؛ ولا يجهر بالمخالفة .
سئل بعض حكماء الروم عن أصلح ما عوشر به الملوك ، فقال : قلة الخلاف وتخفيف المؤنة .
والملوك لا يصحبون إلا على اختيارهم ولا يتمسكون إلا بمن وافقهم على آرائهم .
وإذا روعيت أحوال الناس وجدوا لا يأتلفون إلا بالموافقة ، فكيف الملوك .
قال شاعر :
الناس إن وافقتهم عذبوا . . . أو لا فإن جناهم مر
كم من رياضٍ لا أنيس بها . . . تركت لأن طريقها وعر
عهودها ووصاياها .
فلم أر فيما طالعته في هذا المعنى أشمل ولا أكمل ولا أنفع ولا أجمع من كلامٍ لأبي الحسن الماوردي ؛ فلذلك أوردته بفصه ، وأتيت على أكثر نصه .
قال الماوردي : فأما العهود الموقظة فسأقول ، وأرجو أن يقترن بالقبول : اجعل أيها الوزير لله تعالى على سرك رقيباً يلاحظك من زيغٍ في حقه ، واجعل لسلطانك على خلوتك رقيباً يكفك عن تقصير في أمره ؛ ليسلم دينك في حقوق الله تعالى ، وتسلم دنياك في حقوق سلطانك ، فتسعد في عاجلتك وآجلتك .
فإن تنافى اجتماعهما لك فقدم حق الله تعالى على حق الملك .
ف " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " .
وقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى " ، وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس " .
قال : حق عليك أيها الوزير أن تكون بأمور الناس خبيراً ، وإلى أحوالهم متطلعاً ، وبهم على نفسك وعليهم مستظهراً ، لأنهم من بين من تسوسه أو تستعين به ، لتعلم ما فيهم من فضل ونقص وعلم وجهل وخير وشر ، وتتحرز مع غرور المتشبه وتدليس المتصنع ؛ فتعطي كل واحد حقه ، ولا تقصر بذي فضل ، ولا تعتمد على ذي جهل .
فقد قيل : من الجهل صحبة ذوي الجهل ، ومن المحال مجادلة ذوي المحال ، وافرق بين الأخيار والأشرار ، فإن ذا الخيريبني ، وذا الشر يهدم .
واحذر الكذوب فلن ينصحك من غش نفسه ؛ ولن ينفعك من ضرها .
ولا تستكفينّ عاجزاً فيضيع العمل ، ولا شرهاً

الصفحة 115