كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 116 """"""
فيضرك باحتجانه ، ولا تعبأ بمن لا يحافظ على المروءة ، فقلما تجد فيه خيراً ؛ لزهده في صيانة النفس وميله إلى خمول القدر .
وبعيدٌ ممن أسقط حق نفسه أن يقوم بحق غيره ، وصعبٌ على من ألف إسقاط التكلف أن يحول عنه .
وقد قيل في حكم الهند : ذو المروءة يرتفع بها ، وتاركها يهبط ؛ والارتقاء صعب والانحطاط هين ، كالحجر الثقيل الذي رفعه عسير وحطه يسير .
وقال بعض البلغاء : أحسن رعاية ذوي الحرمات ، وأقبل على أهل المروءات ؛ فإن رعاية ذوي الحرمة تدل على كرم الشيمة ، والإقبال على ذوي المروءة يعرب عن شرف الهمة . اختبر أحوال من استكفيته لتعلم عجزه من كفايته ، وإحسانه من إساءته ؛ فتعمل بما علمت من إقرار الكافي وصرف العجز ، وحمد المحسن وذم المسيء .
فقد قيل : من استكفى الكفاة ، كفي العداة .
فإن التبست عليك أمورهم أوهنت الكافي وسلطت العاجز ، وأضعت المحسن وأغريت المسيء .
ولأن يكون العمل خالياً فتصرف إليه فكرك أولى من أن يباشره عاجز أو خائن فيقبح بهما أثرك .
فاحذر العاجز فإنه مضيع ، وتوقّ الخائن فإنه يكدح لنفسه .
قال شاعر :
إذا أنت حمّلت الخؤون أمانةً . . . فإنك قد أسندتها شر مسند
اقتصر في أعوانك بحسب حاجتك إليهم . ولا تستكثر منهم لتكثر بهم . فلن يخلو الاستكثار من تنافرٍ يقع به الخلل ، أو اتفاقٍ يستأكل به العمل .
وليكن أعونك وفق أعمالك ، فإنه أنظم للشمل وأجمع للعمل وأبلغ في الاجتهاد وأبعث على النصح .
قال ابن الرومي :
عدوك من صديقك مستفادٌ . . . فلا تستكثرنّ من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه . . . يكون من الطعام أو الشراب
فدع عنك الكثير فكم كثيرٍ . . . يعاف وكم قليلٍ مستطاب
فما اللجج الملاح بمروياتٍ . . . وتلقى الريّ في النطف العذاب
هذب نفسك من الدنس تتهذب جميع أتباعك .
ونزه نفسك عن الطمع تتنزه جميع خلفائك وتوقّ الشره فلن يزيدك إلا حرصاً إن أجديت ، ونقصاً إن

الصفحة 116