كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 117 """"""
أكديت ، وهما معرة ذي الفضل ومضرة أولي الحزم .
روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " اقتربت الساعة ولا يزداد الناس في الدنيا إلا حرصاً ولا تزداد منهم إلا بعداً " .
رض نفسك عن الطمع يتنزه جميع عمالك ، وتنتظم بك جميع أعمالك .
ولا تكل إلى غيرك ما تختص بمباشرته طلباً للدعة ، فتعزل عنه نفسك وتؤثر به غيرك ؛ فتكون من وفائه على غدر ، ومن نفسك على تقصير .
قال بزرجمهر : إن يكن الشغل مجهدة ، فإن الفراغ مفسدة .
وقال عبد الحميد : ما زانك ما أضاع زمانك ، ولا شانك ما أصلح شانك .
اجعل زمان فراغك مصروفاً إلى حالتين : إحداهما راحة جسدك وإجمام خاطرك ، ليكونا عوناً لك على نظرك .
والثانية أن تفكر بعد راحة جسدك وإجمام خاطرك فيما قدمته من أفعالك ، وتصرفت فيه من أعمالك : هل وافقت الصواب فيه فتقويه وتجعله مثالاً تحتذيه ، أو نالك فيها زللٌ فتستدرك منه ما أمكن ، وتنتهي عن مثله في المستقبل .
فقد قيل : من فكر أبصر .
وقال بعض البلغاء : من لم يكن له من نفسه واعظ ، لم تنفعه المواعظ .
اخفض جناحك لمن علا ، ووطئ كنفك لمن دنا ، وتجاف عن الكبر تملك من القلوب مودتها ، ومن النفوس مساعدتها .
فقد قيل لحكيم الروم : من أضيق الناس طريقاً ، وأقلهم صديقاً ؟ قال : من عاشر الناس بعبوس وجهه ، واستطال عليهم بنفسه .
ولذلك قيل : التواضع في الشرف ، أشرف من الشرف .
كن شكوراً في النعمة ، صبوراً في الشدة ، لا تبطرك السراء ، ولا تدهشك الضراء ؛ لتكافأ أحوالك ، وتعتدل خصالك ؛ فتسلم من طيش البطر وحيرة الدهش .
فقد قال بعض الحكماء : اشتغل بشكر النعمة عن البطر بها .
وقيل في أمثال الهند : العاقل لا يبطر بمنزلةٍ أصابها ولا شرفٍ وإن عظم ، كالجبل الذي لا يتزلزل وإن اشتدت الرياح ، والسخيف تبطره أدنى منزلةٍ كالحشيش الذي تحركه أدنى ريح .

الصفحة 117