كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 118 """"""
استدم مودة وليك بالإحسان إليه ، واستسل سخيمة عدوك بعد الاحتراز منه ، وداهن من يجاهرك بعداوتك .
فقد قيل لبعض الحكماء : ما الحزم ؟ قال : مداجاة الأعداء ، ومؤاخاة الأكفاء .
ولا تعول على التهم والظنون واطرح الشك باليقين .
فقد قيل : لا يفسدك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له .
قال شاعر :
إذا أنت لم تبرح تظن وتقتضي . . . على الظن أردتك الظنون الكواذب
واختبر من اشتبهت حاله عليك ، لتعلم معتقده فيك ، فتدري أين تضعه منك ؛ فإن الألسن لا تصدق عن القلوب ؛ لما يتصنعه المداجي ويتكلفه المداهن .
وشهادات القلوب أصدق ، ودلائل النفوس أوثق .
فإن وقفت بك الحال على الارتياب ، اعتقدت المودة في ظاهره ، وأخذت بالحزم في باطنه .
وإذا أقنعك الإغصاء عن الاختبار فلا تتخطه ، فأكثر الأمور تمشي على التغافل والإغضاء .
فقد قال أكثم بن صيفي : من تشدد نفّر ، ومن تراخى تألّف ، والسرّ وفي التغافل .
ولقلما جوهر المغضي وقوطع المتغافل ، مع انعطاف القلوب عليه ، وميل النفوس إليه . وهذا من أسباب السعادة وحسن التوفيق .
شاور في أمورك من تثق منه بثلاث خصال : صواب الرأي ، وخلوص النية ، وكتمان السر .
فلا عار عليك أن تستشير من هو دونك إذا كان بالشورى خبيراً ؛ فإن لكل ذي عقل ذخيرةً من الرأي وحظاً من الصواب ، فتزداد برأي غيرك وإن كان رأيك جزلاً ، كما يزداد البحر بمواده من الأنهار وإن كان غزيراً .
وقد يفضل المستشير على المشير ؛ ويظفر المشير بالرأي لأنها ضالة يظفر بها من وجدها من فاضل ومفضول .
وعول على استشارة من جرب الأمور وخبرها ، وتقلب فيها وباشرها ، حتى عرف مواردها ومصادرها ، فلن يخفى عليه خيرها وشرها ، ما لم يوهنه ضعف الهرم .
واعدل عن استشارة من قصد موافقتك متابعةً لهواك ، أو اعتمد مخالفتك انحرافاً عنك ، وعوّل على من توّخى الحق لك وعليك .
فقد قيل في قديم الحكم : من التمس الرخص من الإخوان في الرأي ، ومن الأطباء في المرض ، ومن الفقهاء في الشبه ، أخطأ الرأي ، وزاد في المرض ، واحتمل الوزر .
ولا تؤاخذ من استشرت بدرك

الصفحة 118