كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 119 """"""
الرأي أن زلّ ، فما عليه إلا الاجتهاد وإن حجزته الأقدار عن الظفر .
وقد قيل في منثور الحكم : من كثر صوابه لم يطرح لقليل الخطأ .
اختر لأسرارك من تثق بدينه وكتمانه ، وتسلم من إذاعته وإدلاله ، ولو قدرت ألا تودع سرك غيرك ، وكان أولى بك وأسلم لك ؛ لأنك فيها بين خطر أو حذر .
وقد قيل في منثور الحكم : انفرد بسرك ولا تودعه حازماً فيزل ، ولا جاهلاً فيخون .
تثبت فيما لا تقدر على استدراكه ؛ فقلما تعقب العجلة إلا ندماً .
روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من تأنى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد " .
وقيل في حكمة آل داود : من كان ذا تؤدة وصف بالحكمة .
وقدم ما قدرت عليه من المعروف ، فقلما يعقب الريث إلا فواتاً ؛ فإن للقدرة غايةً ، ولنفوذ الأمر نهاية ، فاغتنمها في مكنتك تسعد بما قدمته ، ويسعد بك من أعنته .
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : انتهزوا الفرصة فإنها تمر مر السحاب .
وقال بعض الحكماء : من أخر الفرصة عن وقتها ، فليكن على ثقة من فوقها .
واحذر قبول المدح من المتملقين ، فإن النفاق مركوز في طباعهم ، ويدا جونك بهين عليهم ؛ فإن نفقوا عليك غششت نفسك ، وداهنت حسك ؛ وأنت أعرف بنفسك من غيرك فيما تستحق به حمداً أو ذماً .
فناصح نفسك بما فيها ، فإنك أعلم بمحاسنها ومساويها .
فقد قيل فيما أنزل الله تعالى من الكتب السالفة : " عجبٌ لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح وعجب لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب " .
وقال بعض البلغاء : من أظهر شكرك فيما لم تأت إليه فاحذره أن يكفر نعمك فيما أسديت إليه .
ففوض مدحك إلى أفعالك ، فإنها تمدحك بصدقٍ إن أحسنت ، وتذمك بحق إن أسأت .
ولا تغتر بمخادعة اللسان الكذوب .
فقد قيل : أبصر الناس من أحاط بذنوبه ، ووقف على عيوبه .
وكتب حكيم الروم إلى الإسكندر : لا ترغب في الكرامة التي تنالها من الناس كرهاً ، ولكن في التي تستحقها بحسن الأثر وصواب التدبير .
اعتمد بنظرك إحماد سلطانك وشكر رعيتك ، تكن أيامك سعيدة ، وأفعالك محمودة ، والناس بك مسرورين ، ولك أعواناً مساعدين ؛ ويبقى بعدك في الدنيا جميل

الصفحة 119