كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 122 """"""
كن عن الشهوات عزوفاً تنفك من أسرها ، فإن من قهرته الشهوة كان لها عبداً ، ومن استعبدته ذل بها .
وقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن أشفق من النار لها عن الشهوات " .
وقيل لبعض حكماء الروم : ما الملك الأعظم ؟ قال : أن يغلب الإنسان شهوته .
وكن بالزمان خبيراً تسلم من عثرته ؛ فإن الاغترار به مردٍ .
وقدم لمعادك ليبقى عليك ما ذخرته ، فلن تجد إلا ما قدمته ؛ وإنك لتجازى بما صنعت .
واستقل الدنيا تجد في نفسك عزاً ، فترضى إذا سخطت ، وتسر إذا حزنت ، فلن يذل إلا طالبها ، ولن يحزن إلا صاحبها .
فقد قال بعض الحكماء : ليكن طلبك الدنيا اضطراراً ، وفكرك فيها اعتباراً ، وسعيك لمعادك ابتداراً .
وقال عبد الحميد : طالب الدنيا عليل ، ليس يروى له غليل .
اجعل صالح عملك ذخراً لك عند ربك ، وجميل سيرتك أثراً مشكوراً في الناس بعدك ، ليقتدي بك الأخيار ، ويزدجر بك الأشرار ، تكن بالثواب حقيقاً ، وبالحمد جديراً .
فقد قيل : الاغترار بالأعمار من شيم الأغمار .
فلن يبقى بعدك إلا ذكرك في الدنيا ، وثوابك في الآخرة ، فاظفر بهما تكن سعيداً فيهما ؛ فإن الدنيا كأحلام النائم يستحليها في غفوته ، ويلفظها بعد يقظته .
وقد قيل في بعض الصحف الأولى : احرص على العمل الصالح لأنه لا يصحبك غيره .
انتهى كلام الماوردي .
وقد بالغ - رحمه الله - في عهده ، وجاد بعظيم بره وجزيل رفده ؛ وأوضح ما إن استمسك به الوزير كفاه ، وإن حذا على مثاله كان ذخيرةً لدينه ومعونة لدنياه .
فليتمسك به من رفل من الوزارة في حللها ، وارتقى من الرياسة إلى شواهقها المنيعة وقللها ؛ وأفاضت عليه السياسة برودها ، وطوقته السعادة عقودها .
وليأخذ نفسه به ويرضها عليه ؛ ويجعله نصب عينه فيما فوض من أمور العالم إليه ؛ ليفوز بسعادة الدنيا وثواب الآخرة ، ويلتحق غداً بذوي الوجوه الناضرة ، التي هي إلى ربها ناظرة .
وإن عدل عنه وعمل بضده فوا خيبة مسعاه ، وسوء منقلبه ومثواه ، " يوم ينظر المرء ما قدمت يداه " .