كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 124 """"""
فهذه الصفات ، فلنذكر الوصايا .
وصايا أصحاب السلطان
فهي متقاربة من وصايا الوزراء غير متفاوتة .
وفيها ما يضطر الوزير إليه ، على ما تقف إن شاء الله تعالى عليه .
قالت الحكماء : إذا نزلت من الملك بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق ، ولا تكثر من الدعاء له في كل كلمة ، فإن ذلك يشبه حال الوحشة والغربة ، إلا أن تكلمه على رؤوس الناس فلا تأل عما وقره وعظمه .
وإذا أردت أن يقبل قولك فصحح رأيك ولا تشوبنه بشيء من الهوى ، فإن الرأي يقبله منك العدو ، والهوى يرده عليك الصديق .
وتبصر ما في الملك من الأخلاق التي يحب ويكره ، ثم لا تكابره بالتحويل له عما يحب ويكره إلى ما تحب وتكره ، فإنها رياضة صعبةٌ قد تحمل على التنائي والقلى .
فقلما تقدر على رد رجلٍ عن المكابرة والمناقضة وإن لم يكن جمح به عز السلطان ، فكيف إذا جمح به ولكن تعينه على أحسن رأيه وتزينه له وتقويه عليه ؛ فإذا قويت المحاسن كانت هي التي تكفيك المساوي .
وإذا استحكمت منه ناحية من الصواب كان ذلك الصواب هو الذي يبصره مواقع الخطأ بألطف من تبصيرك وأعدل من حكمك في نفسه ؛ فإن الصواب يؤيد بعضه بعضاً ويدعو بعضه إلى بعض .
وإذا كنت له مكابراً لحقك الخطر ولم تبلغ ما تريد .
ولا يكوننّ طلبك ما عند السلطان بالمسألة ولا تستبطئه وإن أبطأ ، ولكن اطلب ما عنده بالاستحقاق له والاستيناء به وإن طالت الأناة ، فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب ، وإذا لم تستبطئه كان أعجل له .
ولا تخبرنّ الملك أن لك عليه حقاً ، وأنك تعتد عليه بلاء .
وإن استطعت ألا ينسى حقك وبلاءك فافعل .
وليكن ما تذكره به تجديدك له النصيحة والاجتهاد ، وألا يزال ينظر منك إلى آخر يذكره الأول ؛ فإن السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول ؛ فإن أرحامهم منقطعة وحبالهم منصرمة إلا عمن رضوا عنه في يومهم وساعتهم .