كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 125 """"""
واعلم أن أكثر الناس عدو لصاحب السلطان ووزيره وذوي المكانة عنده ، لأنه منفوس عليه مكانه كما ينفس على الملك ملكه ، وحسود كما يحسد عليه ؛ غير أنه يجترأ عليه ولا يجترأ على الملك ، لأن حساده أحباء الملك الذين يشاركونه في المنزلة والدخول ، وهم حضور ، وليسوا كعدو الملك النائي عنه الكاتم لعداوته ؛ فهم لا يغفلون عن نصب الحبائل له .
فالبس لهؤلاء الأعداء كلهم سلاح الصحة والاستقامة ولزوم المحجة فيما تسر وتعلن .
ثم روح عن قلبك حتى كأنك لا عدو لك ولا حاسد .
جانب المسخوط عليه والمظنون به عند السلطان ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا منزل ، ولا تظهرن له عذراً ولا تثنين عليه خيراً . فإذا رأيته قد بلغ في الإعتاب مما سخط عليه فيه ما ترجو أن يلين له الملك ، واستيقنت أن الملك قد تحقق مباعدتك إياه وشدتك عليه ، فضع عند ذلك عذره عند الملك ، واعمل في إرضائه بالرفق واللطف .
وإذا أصبت الجاه عند الملك وكانت لك خاصة منزلةٍ ، فلا يحدثن لك ذلك تغيراً على أهله وأعوانه واستغناءً عنهم ، فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوةٍ فتذل لهم .
وإن استطعت أن يعرف صاحبك أنك تنحله صواب رأيك فضلاً عن صوابه فتسند ذلك إليه وتزينه به ، فإن الذي أنت بذلك آخذٌ أفضل من الذي أنت به معطٍ .
واعلم أن السلطان يقبل من الوزراء التبخيل ويعده منهم شفقة ونظراً ويحمدهم عليه وإن كان جواداً .
فإن كنت مبخلاً فقد غششت صاحبك بفساد مروءته ، وإن كنت مسخياً لم تأمن إضرار ذلك بمنزلتك .
فالرأي لك تصحيح النصيحة والتماس المخرج ، بألا يعرف منك ميلاً إلى شيء من هواك .
فهذه نبذة من وصايا أصحاب السلطان يكتفي بها اللبيب ، ويتمسك بها الأريب .
وقد قدمنا في شروط الوزارة ما يحتاج صاحب السلطان إلى استعماله في خدمته .
فلنذكر ما يحتاج إليه نديم الملك ومؤاكله .

الصفحة 125