كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 129 """"""
بكر الهذلي لم يعد عليّ حديثاً قط .
وكان أبو بكر الهذلي يقول : حدثت المنصور بأكثر من عشرة آلاف حديث ، فقال لي ليلة - وقد حدثته عن يوم ذي قارٍ وقد اضطررت إلى التكرار - : أتعيد الحديث ؟ فقلت : ما هذا مما مر يا أمير المؤمنين ؛ فقال : أما تذكر ليلة الرعد والأمطار وأنت تحدث بحديث يوم ذي قار فقلت لك : ما يوم ذي قارٍ بأصعب من هذه الليلة ؟ ومن حق المحادثة وواجب المؤانسة ترك المراء ؛ هذا مع الأكفاء فكيف مع الملوك والرؤساء وقالوا : المماراة تفسد الصداقة القديمة ، وتحل العقدة الوثيقة وتكسب الإحنة والبغضاء .
وقال الصاحب بن عباد : للمحدث على السامع ثلاث : كتمان السر ، وإصغاء الذهن ، وترك التحفظ .
هذا ما يلزم نديم الملك .
مؤاكل الملك
فقد اصطلح الناس على إجلال رؤسائهم وملوكهم عن غسل أيديهم بحضورهم ، واستجازوا ذلك مع نظرائهم ومن يسقط التحفظ بينهم وبينهم .
وربما تجمل الرئيس فقال لمؤاكله : اغسل يدك مكانك ولا تبرح .
فالغبي يغتنم ذلك ويفعل ، والفطن يأباه ويسلك سبيل الأدب ، فيخف على القلب .
هذا بعد الطعام .
وأما قبله فجائز أن يغسل اليد بحضرة الرئيس .
وأما الخلال فلا يستعمل بحضرته البتة .
آداب الأكل بين يدي الرئيس
ألا يخلط طعاماً بطعام ، ولا يغمس اللقمة بالخل ثم يضعها في الطعام ، ونحو ذلك .
هذا ما يلزم نديم الملك ومؤاكله .
وقد ذكرنا مما يجب للملك على رعيته من المناصحة والأدب والتوقير والتعظيم فيما تقدم ما يدخل في هذا الباب ، فلا فائدة في تكراره .
فلنذكر ما ورد في النهي عن صحبة الملوك .
ذكر ما ورد في النهي عن صحبة الملوك والقرب منهم
. قد نهت الحكماء عن صحبة الملوك وقالوا : إن الملوك إذا خدمتهم ملوك ، وإن لم تخدمهم أذلوك .
وإنهم يستعظمون في الثواب رد الجواب ، ويستقلون في العقاب