كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 136 """"""
أنبياء الله تعالى أنه قال : " لا يغزون معي من بنى بناءً لم يكمله ولا رجلٌ تزوج امرأةً لم يدخل بها ولا رجلٌ زرع زرعاً لم يحصده " .
والرابع : ما يلزم المجاهدين معه من حقوق الجهاد . وهو ضربان : أحدهما ما يلزمه في حق الله تعالى ؛ والثاني ما يلزمهم في حق الأمير عليهم .
فأما اللازم لهم في حق الله تعالى فأربعة أشياء .
أحدها : مصابرة العدو عند التقاء الجمعين بألا ينهزم عنه من مثليه فما دون ذلك .
وقد كان الله عز وجل فرض في أول الإسلام على كل مسلم أن يقاتل عشرةً من المشركين ، فقال تعالى : " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائةٌ يغلبوا ألفاً من الذين كفروا " .
ثم خفف الله عنهم عند قوة الإسلام وكثرة أهله فأوجب على كل مسلم لاقى العدو أن يقاتل رجلين منهم ، فقال تعالى : " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين " ، فحرم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه إلا لإحدى حالتين : إما أن يتحرف لقتال فيولي لاستراحة أو لمكيدة ويعود إلى قتالهم ؛ وإما أن يتحيز إلى فئة أخرى يجتمع معها على قتالهم .
قال الله تعالى : " ومن يولهم يومئذٍ دبره إلا متحرفاً لقتالٍ أو متحيزاً إلى فئةٍ فقد باء بغضبٍ من الله " ، قال : وسواء قربت الفئة التي يتحيز إليها أو بعدت .
فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لفل القادسية حين انهزموا إليه : أنا فئة كل مسلم .
ويجوز إذا زادوا على مثليه ولم يجد إلى المصابرة سبيلاً أن يولي عنهم غير متحرف لقتال ولا متحيزٍ إلى فئة .
هذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله .
واختلف أصحابه فيمن عجز عن مقاومة مثليه وأشرف على القتل هل يجوز انهزامه ، فقالت طائفة : لا يجوز انهزامه عنهم وإن قتل ، للنص .
وقالت طائفة أخرى : يجوز أن يولي ناوياً أن يتحرف لقتال أو يتحيز إلى فئة ليسلم من القتل ومن إثم الخلاف ؛ فإنه إن عجز عن المصابرة فلا يعجز عن هذه النية .
وقال أبو حنيفة : لا اعتبار بهذا التفصيل ، والنص فيه منسوخ ، وعليه أن يقاتل ما أمكنه وينهزم إذا عجز وخاف القتل .
والثاني من حقوق الله تعالى : أن يقصد بقتاله نصرة دين الله تعالى وإبطال ما خالفه من الأديان ، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون .
فيكون بهذا الإعتقاد حائزاً لثواب الله تعالى

الصفحة 136