كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 137 """"""
ومطيعاً له في أوامره ونصرة دينه ومستنصراً على عدوه ليستسهل ما لاقى فيكون أكثر ثباتاً وأبلغ نكاية .
ولا يقصد بجهاده استفادة المغنم فيصير من المتكسبين لا من المجاهدين .
والثالث من حقوق الله تعالى : أن يؤدي الأمانة فيما حازه من الغنائم ولا يغل منها شيئاً حتى تقسم بين جميع الغانمين ممن شهد الوقعة وكانوا على العدو يداً ، لأن لكل واحدٍ منهم فيها حقاً .
قال الله تعالى : " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " .
والرابع من حقوق الله تعالى : ألا يمايل من المشركين ذا قربى ولا يحابي في نصرة الله تعالى ذا مودة ، فإن حق الله أوجب ونصرة دينه ألزم .
قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق " .
نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة وقد كتب كتاباً إلى أهل مكة حين هم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغزوهم يعلمهم فيه بالخبر وأنفذه مع سارة - مولاةٍ لبني المطلب - فأطلع الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) على ذلك ، فأنفذ علياً والزبير في أثرها فأدركاها وأخذا الكتاب من قرون رأسها ، فدعا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حاطباً فقال : " ما حملك على ما صنعت " ؛ فقال : والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله ، ما كفرت ولا بدلت ولكني امرؤ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم أهلٌ وولد فصانعتهم عليهم ؛ فعفا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنه .
على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبيناً في أثناء السيرة النبوية عند ذكرنا لغزوة الفتح ، فتأمله هناك تجده .
وأما ما يلزمهم في حق الأمير عليهم فأربعة أشياء .
أحدها : التزام طاعته والدخول في ولايته ؛ لأن ولايته عليهم انعقدت ، وطاعته بالولاية وجبت .
والثاني : أن يفوضوا الأمر إلى رأيه ويكلوه إلى تدبيره ، حتى لا تختلف آراؤهم فتختلف كلمتهم ويفترق جمعهم .
قال الله تعالى : " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " .
فجعل تفويض الأمر إلى وليه سبباً إلى حصول العلم وسداد الأمر . فإن ظهر لهم صوابٌ خفي عليه بينوه له وأشاروا به عليه .
والثالث : أن يسارعوا إلى امتثال أمره ، والوقوف عند نهيه وزجره ، لأنهما من لوازم طاعته .
فإن توقفوا عما أمرهم به أو أقدموا على ما نهاهم عنه ورأى تأديبهم على المخالفة بحسب أفعالهم ، فعل .
ولا يغلظ فينفر .
قال الله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : " فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك " .