كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 139 """"""
في الأعوام المستقبلة يقسم بين أهل الفيء .
ولا يجوز أن يعاود جهادهم ما كانوا مقيمين على بذل المال ، لاستقرار الموادعة عليه .
وإذا دخل أحدهم إلى دار الإسلام ، كان له بعقد الموادعة وارتفع الأمان ولزم الجهاد كغيرهم من أهل الحرب .
وقال أبو حنيفة : لا يكون منعهم من مال الجزية والصلح نقضاً لأمانهم ، لأنه حق عليهم فلا ينتقض العهد بمنعهم منه .
والخصلة الرابعة : أن يسألوا الأمان والمهادنة ؛ فيجوز إذا تعذر الظفر بهم وأخذ المال منهم أن يهادتهم على المسألة في مدة مقدرة تعقد الهدنة عليها إذا كان الإمام قد أذن له في الهدنة أو فوض إليه الأمر .
فقد هادن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قريشاً عام الحديبية عشر سنين .
ويقتصر في مدة الهدنة على أقل ما يمكن ، ولا يجاوز بأكثرها عشر سنين .
فإذا هادنهم أكثر منها بطلت الهدنة فيما زاد عليها ، ولهم الأمان فيها إلى انقضاء مدتها لا يجاهدون فيها من غير إنذار .
فإن نقضوه صاروا حرباً يجاهدون من غير إنذار فقد نقضت قريش صلح الحديبية .
فسار إليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عام الفتح محارباً .
وإذا نقضوا عهدهم فلا يجوز قتل من في أيدينا من رهائنهم .
وقد نقض الروم عهدهم في زمان معاوية وفي يده رهائن فامتنع المسلمون جميعاً من قتلهم وخلوا سبيلهم وقالوا : وفاءٌ بغدرٍ خيرٌ من غدر بغدر .
وإذا لم يجز قتل الرهائن لم يجب إطلاقهم ما لم يحاربوا . فإن حاربونا وجب إطلاق رهائنهم وإبلاغ الرجل منهم مأمنهم وإيصال النساء والأطفال والذراري إلى أهليهم .
ويجوز أن يشترط لهم في عقد الهدنة رد من أسلم من رجالهم إليهم .
فإذا أسلم أحدهم رد إليهم إن كانوا مأمونين على دمه ، ولم يرد إليهم إن لم يؤمنوا على دمه .
ولا يشترط رد من أسلم من نسائهم ، لأنهم ذوات فروج محرمة .
فإن شرط ردهن لم يجز أن يرددن ؛ ودفع إلى أزواجهن مهورهن إذا طلبن .
ولا تجوز المهادنة لغير ضرورة تدعو إلى عقدها ، وتجوز الموادعة أربعة أشهر فما دونها ولا يزيد عليها .
وأما الأمان الخاص فيصح أن يبذله كل مسلم من رجل وامرأة وحر وعبد ؛ لقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم يسغى بذمتهم أدناهم " ، يعني عبيدهم .
وقال أبو حنيفة : لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذوناً له في القتال .