كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 151 """"""
ومن المكايد خبر عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة مع معاوية بن أبي سفيان ، وكان معاوية قد كتب إليهما واستقدم عمراً من مصر والمغيرة من الكوفة ؛ فقال عمرو للمغيرة : ما جمعنا إلا ليعزلنا ، فإذا دخلت عليه فاشك الضعف واستأذنه أن تأتي الطائف أو المدينة ، وأنا إذا دخلت عليه سأسأله ذلك فإنه يظن أنا نريد أن نفسد عليه .
فدخل المغيرة على معاوية فسأله أن يعفيه فأذن له ؛ ودخل عليه عمرو وسأله ذلك ؛ فقال معاوية : قد تواطأتما على أمر وإنكما لتريدان شراً ، ارجعا إلى عمليكما .
وكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية حين كبر وخاف العزل : أما بعد ، فإنه قد كبرت سني ، ودق عظمي ، وقرب أجلي ، وسفهني رجال قريش ، فرأي أمير المؤمنين في عمله موفق .
فكتب إليه معاوية : أما ما ذكرت من كبر سنك ، فإن سنك أكلت عمرك .
وأما اقتراب أجلك ، فإني لو كنت أستطيع أن أدفع المنية عن أحد لدفعتها عن آل أبي سفيان .
وأما ما ذكرت من العمل فضح قليلاً فلا يدرك الهيجا حمل وأما ما ذكرت من سفهاء قريش ، فإن حلماء قريش أنزلوك هذا المنزل .
فاستأذن معاوية في القدوم فأذن له ؛ فلما وصل إليه قال له معاوية : كبرت سنك ، واقترب أجلك ، ولم يبق منك شيء ، ولا أظنني إلا مستبدلاً بك .
قال : فانصرف والكآبة تعرف في وجهه ؛ فقيل له : ما تريد أن تفعل ؟ فقال : ستعلمون ذلك .
ثم أتى معاوية فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الأنفس يغدى عليها ويراح ، ولست في زمن أبي بكر ولا عمرن وقد اجترح الناس ، ولو نصبت لنا عملاً من بعدك نصير إليه مع أني كنت قد دعوت أهل العراق إلى يزيد فركنوا إليه حتى جاءني كتابك ؛ قال : يا أبا محمد ، انصرف إلى عملك فأحكم هذا الأمر لابن أخيك ، وأعاده على البريد يركض .

الصفحة 151