كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 153 """"""
فبعث معاوية إلى يزيد فاستفسره عن أمره ؛ فبث له شأنه ؛ فقال : مهلاً يا يزيد ؛ فقال له : علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل ؟ فقال له معاوية : فأين مروءتك وحجاك وتقاك ؟ فقال : قد عيل الصبر ، ولو كان أحدٌ ينتفع فيما يبتلى به من الهوى بتقاه ، أو يدفع ما أقصده بحجاه لكان أولى الناس به داود حين ابتلي به ؛ فقال : اكتم يا بني أمرك ، فإن البوح به غير نافعك ، والله بالغ أمره فيك ، ولابد مما هو كائن .
وأخذ معاوية في الاحتيال في تبليغ يزيد مناه ، فكتب إلى زوجها عبد الله بن سلام ، وكان قد استعمله على العراق : أن أقبل حين تنظر كتابي لأمر فيه حظك إن شاء الله تعالى فلا تتأخر عنه .
فأغذ السير وقدم ، فأنزله معاوية منزلاً كان قد هيئ له وأعد فيه نزله ؛ وكان عند معاوية يومئذ بالشام أبو هريرة وأبو درداء ، فقال لهما معاوية : إن الله قد قسم بين عباده قسماً ووهبهم نعماً أوجب عليهم فيها شكره وحتم عليهم حفظها ، فحباني منها عز وجل بأتم الشرف وأفضل الذكر ، وأوسع علي الرزق ، وجعلني راعي خلقه ، وأمينه في بلاده ، والحاكم في أمر عباده ، ليبلوني أ أشكر أم أكفر .
وأول ما ينبغي للمرء أن يتفقد وينظر من استرعاه الله أمرهم ، ومن لا غنى به عنه .
وقد بلغت لي ابنة أريد إنكاحها والنظر في اختيار من يباعلها ، لعل من يكون بعدي يقتدى فيه بهديي ويتبع فيه أثري فإنه قد يلي هذا الملك بعدي من يغلب عليه الشيطان ويرقيه إلى تعضيل بناتهم فلا يرون لهم كفؤاً ولا نظيراً ، وقد رضيت لها ابن سلام القرشي ، لدينه وشرفه وفضله ومروءته وأدبه ؛ فقالا له : إن أولى الناس برعاية نعم الله وشكرها وطلب مرضاته فيما اختصه منها لأنت ؛ فقال لهما معاوية : فاذكرا له ذلك عني ، وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى ، غير أني أرجو ألا تخرج من رأيي إن شاء الله .
فخرجا من عنده وأتيا عبد الله بن سلام وذكرا له القصة .
ثم دخل معاوية على ابنته وقال لها : إذا دخل عليك أبو الدرداء وأبو هريرة فعرضا عليك أمر عبد الله بن سلام وحضاك على المسارعة إلى اتباع رأيي فيه ، فقولي لهما : إنه كفء كريم وقريب حميم ، غير أن تحته زينب بنت إسحاق ، وأخاف أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء فأتناول منه ما يسخط الله تعالى فيه فيعذبني عليه ، ولست بفاعلةٍ حتى يفارقها .
فلما اجتمع أبو هريرة وأبو الدرداء بعبد الله وأعلماه بقول معاوية ، ردهما إليه يخطبان له منه ، فأتياه ؛ فقال : قد علمتما رضائي به وحرصي عليه ، وكنت قد أعلمتكما الذي جعلت لها في نفسها من

الصفحة 153