كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 154 """"""
الشورى ، فادخلا عليها واعرضا عليها الذي رأيت لها .
فدخلا عليها وأعلماها ؛ فقالت لهما ما قاله معاوية لها .
فرجعا إلى ابن سلام وأعلماه بما قالته .
فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا فراق زينب أشهدهما بطلاقها وأعداهما إلى ابنة معاوية .
فأتيا معاوية وأعلماه بما كان من فراق عبد الله زوجته رغبةً في الاتصال بابنته ؛ فأظهر معاوية كراهة فعله وفراقه لزينب وقال : ما استحسنت له طلاق امرأته ولا أحببته ، فانصرفا في عافية ثم عودا إليها وخذا رضاها ، فقاما ثم عادا إليه ، فأمرهما بالدخول على ابنته وسؤالها عن رضاها تبرياً من الأمر ، وقال : لم يكن لي أن أكرهها وقد جعلت لها الشورى في نفسها . فدخلا عليها وأعلماها بطلاق عبد الله بن سلام امرأته ليسرها ، وذكراً من فضله وكمال مروءته وكرم محتده ؛ فقالت لهما : إنه في قريش لرفيع القدر ، وقد تعرفان أن الأناة في الأمور أرفق لما يخاف من المحذور ، وإني سائلةٌ عنه حتى أعرف دخلة أمره وأعلمكما بالذي يزينه الله لي ، ولا قوة إلا بالله ؛ فقالا : وفقك الله وخار لك .
وانصرفا عنها ، وأعلما عبد الله بقولها ؛ فأنشد :
فإن يك صدر هذا اليوم ولى . . . فإن غداً لناظره قريب
وتحدث الناس بما كان من طلاق عبد الله زينب وخطبته ابنة معاوية ، ولاموه على مبادرته بالطلاق قبل إحكام أمره وإبرامه .
ثم استحث عبد الله أبا هريرة وأبا الدرداء ؛ فأتياها وقالا لها : اصنعي ما أنت صانعة واستخيري الله ، فإنه يهدي من استهداه ؛ فقالت : أرجو ، والحمد لله ، أن يكون الله قد خار لي ، وقد استبرأت أمره وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي ، ولقد اختلف من استشرته فيه ، فمنهم الناهي عنه ومنهم الآمر به ، واختلافهم أول ما كرهت .
فلما بلغاه كلامها علم أنه مخدوع ، وقال : ليس لأمر الله راد ، ولا لما لابد منه صاد ؛ فإن المرء وإن كمل له حلمه واجتمع له عقله واستد رأيه ليس بدافع عن نفسه قدراً برأي ولا كيد ولعل ما سروا به واستجذلوا له لا يدوم لهم سروره ، ولا يصرف عنهم محذوره .
وذاع أمره وفشا في الناس ، وقالوا : خدعه معاوية حتى طلق امرأته ، وإنما أرادها لابنه ، وقبحوا فعله .
فتمت مكيدته هذه ؛ لكن المقادير أتت بخلاف تدبيره وبضد تقريره .
وذلك أنه لما انقضت