كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 155 """"""
أقراء زينب ، وجه معاوية أبا الدرداء إلى العراق خاطباً لها على ابنه يزيد ؛ فخرج حتى قدم الكوفة ، وبها يومئذ الحسين بن علي رضي الله عنهما ، فبدأ أبو الدرداء بزيارته ، فسلم عليه الحسين وسأله عن سبب مقدمه ؛ فقال : وجهني معاوية خاطباً على ابنه يزيد زينب بنت إسحاق ؛ فقال له الحسين : لقد كنت أردت نكاحها وقصدت الإرسال إليها إذا انقضت أقراؤها ، فلم يمنعني من ذلك إلا تخير مثلك ، فقد أتى الله بك ، فاخطب - رحمك الله - علي وعليه ، لتتخير من اختاره الله لها ، وهي أمانةٌ في عنقك حتى تؤديها إليها ، وأعطها من المهر مثل ما بذل معاوية عن ابنه ؛ فقال : أفعل إن شاء الله .
فلما دخل عليها أبو الدرداء قال : أيتها المرأة ، إن الله خلق الأمور بقدرته ، وكونها بعزته ، فجعل لكل أمر قدراً ، ولكل قدر سبباً فليس لأحد عن قدر الله مستحاصٌ ، ولا للخروج عن أمره مستناص ؛ فكان مما سبق لك وقدر عليك الذي كان من فراق عبد الله بن سلام إياك ، ولعل ذلك لا يضرك ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ؛ وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولي عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية ، والحسين ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسيد شباب أهل الجنة ، وقد بلغك شأنهما وسناؤهما وفضلهما ، وقد جئتك خاطباً عليهما ، فاختاري أيهما شئت ؛ فسكتت طويلاً ثم قالت : يا أبا الدرداء ، لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك واتبعت فيه رأيك ولم أقتطعه دونك ، فأما إذ كنت أنت المرسل فقد فوضت أمري بعد الله إليك وجعلته في يديك ، فاختر لي أرضاهما لديك ، والله شاهدٌ عليك ، فاقض في أمري بالتحري ولا يصدنك عن ذلك اتباع هوى ، فليس أمرهما عليك خفياً ، ولا أنت عما طوقتك غبياً ؛ فقال : أيتها المرأة ، إنما علي إعلامك وعليك الاختيار لنفسك ؛ قالت : عفا الله عنك إنما أنا ابنة أخيك ، ولا غنى لي عنك ، فلا تمنعك رهبة أحدٍ عن قول الحق فيما طوقتك ، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك ؛ والله خير من روعي وخيف ، إنه بنا خبير لطيف .
فلما لم يجد بداً من القول والإشارة قال : أي بنية ، إن ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أحب إلي وأرضى عندي ، والله أعلم بخيرهما لك ، وقد