كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 156 """"""
رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقد وضع شفتيه على شفتي الحسين ، فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شفتيه ؛ قالت : اخترته وأردته ورضيته .
فتزوجها الحسين وساق لها مهراً عظيماً .
فبلغ ذلك معاوية فتعاظمه ولام أبا الدرداء شديداً ، وقال : من يرسل ذا بلهٍ وعمىً يركب خلاف ما يهوى .
وأما عبد الله ابن سلام فإن معاوية اطرحه وقطع عنه جميع روافده ، لسوء قوله فيه وتهمته أنه خدعه ، ولم بزل يجفوه حتى عيل صبره وقلّ ما في يديه . فرجع إلى العراق ، وكان قد استودع زينب قبل طلاقه لها مالاً عظيماً ودراً كثيراً ، فظن أنها تجحده لسوء فعله بها وطلاقها من غير شيء كان منها ، فلقي حسيناً فسلم عليه ، ثم قال : قد علمت ما كان من خبري وخبر زينب ، وكنت قد استودعتها مالاً ولم أقبضه ، وأثنى عليها وقال له : ذاكرها أمري واحضضها على رد مالي .
فلما انصرف الحسين إليها قال لها : قد قدم عبد الله بن سلام وهو يحسن الثناء عليك ويحمل النشر عنك في حسن صحبتك وما آنسه قديماً من أمانتك ، فسرني ذلك وأعجبني ، وذكر أنه كان قد استودعك مالاً فأدي إليه أمانته وردي عليه ماله ، فإنه لم يقل إلا صدقاً ولم يطلب إلا حقاً ؛ فقالت : صدق ، استودعني مالاً لا أدري ما هو ، فادفعه إليه بطابعه ؛ فأثنى عليها حسينٌ خيراً وقال : ألا أدخله عليك حتى تتبرئي إليه منه كما دفعه إليك ؟ ثم لقي عبد الله وقال : ما أنكرت مالك ، وإنها زعمت أنه بطابعك ؛ فادخل عليها وتسلم مالك منها ؛ فقال : أو ما تأمر من يدفعه إلي ؟ قال : لا بل تقبضه منها كما دفعته إليها .
ودخل عليها حين وقال : هذا عبد الله قد جاء يطلب وديعته ؛ فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت : هذا مالك ؛ فشكر وأثنى .
وخرج حسين عنهما ، وفض عبد الله ابن سلام خواتم بدرة وحثي لها من ذلك وقال : خذي فهو قليلٌ مني ؛ فاستعبرا جميعاً حتى علت أصواتهما بالبكاء أسفاً على ما ابتليا به ؛ فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما فقال : أشهد الله أنها طالقٌ ثلاثاً ، اللهم قد تعلم أني لم أستنكحها رغبةً في مالها ولا جمالها ، ولكني أردت إحلالها لبعلها .
فسألها عبد الله أن تصرف إلى حسين ما كان قد ساق إليها من مهر ؛ فأجابته إلى ذلك ؛ فلم يقبله الحسين وقال : الذي أرجو إليه من الثواب خيرٌ لي .
فلما انقضت أقراؤها تزوجها عبد الله ، وحرمها الله تعالى يزيد بن معاوية .
ومن مكايد معاوية أن رجلاً من قريش أسر فحمل إلى صاحب القسطنطينية ، فكلمه ملك الروم فجاوبه القرشي بجواب لم يوافقه ؛ فقام إليه رجل من بطارقة