كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 167 """"""
واقعتها وفظيع روعتها ؛ واضطراب الجبال وخشوعها ، وانشقاق الأبنية وصدوعها ؛ وسجود الحصون الشمن وخضوع الصخور الصم ؛ وجأر العباد إلى ربهم لما مسهم من الضر ، ولياذهم بقصده لما دهاهم من الأمر ؛ فوصف عظيماً بعظيم ، ومثل مقاماً ما عليه صبرٌ مقيم ؛ وأنذر بانتقام قائم إلا أنه كريم ، وجبارٍ إلا أنه حليم ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون نقولها واضعين الخدود تذللاًن وإنا في سبيل الله وإنا إليه نائبون تخلصاً ونضمها بالقلوب إخلاصاً وتبتلاً ؛ وعرف المملوك ما وسع الخلق من معروفه وإرفاقه ، وجبر الحصون من عمارته منازل التوحيد وأوكاره ، بأمواله التي وقفها في سبيل الله وهانت عليه إذ كان على يد البر إخراجها ، وكرمت لديه إذ طالبت بها خطرات الشهوات واعتلاجها ؛ واستقرضها من الأرض خراجاً ثم وفاها ما اقترض بعمرانها ، واستخرجها من بطنانها ثم أعاد إلى ظهرانها ؛ وأرساها للإسلام بقواعد حصونها ، وأسناها في يد المسلمين بوثائق رهونها ؛ ولم يزل الله يختصه بكل حسنة متوضحة ، ويوفقه لكل صالحة مصلحة ؛ وينعم عليه بالنية الصادقة ، وينعم منه بالموهبة السابغة السابقة ؛ فإن نزلت نازلةٌ من وقائع الأقدار ، وإن عرضت عارضة من عوارض الأيام ، تلقاها حامداً ، وأسا جرحها جاهداً ، وعول على ربه قاصداً ، وأنفق فيما أصبح منه عادماً ما أمسى له واجداً .
ذكر ما ورد في الغزو في البحر
.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : حدثتني أم حرام أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال يوماً في بيتها ، فاستيقظ وهو يضحك ؛ قالت يا رسول الله ، ما يضحكك ؟ قال : " عجبت من قومٍ من أمتي أ متى يركبون البحر كالملوك على الأسرة " ؛ فقلت : يا رسول الله ، أدع الله أن يجعلني منهم ؛ قال : " أنت منهم " ، ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك مرتين أو ثلاثاً ؛ قالت : يا رسول الله ، أدع الله أن يجعلني منهم ، فيقول : " أنت من الأولين " ، فتزوج بها عبادة بن الصامت فخرج بها إلى الغزو ، فلما رجعت قربت دابةٌ لتركبها فوقعت فاندقت عنقها .
وفي حديث آخر : " يركبون البحر الأخضر في سبيل الله مثلهم كمثل الملوك على الأسرة " ، قالت : يا رسول الله ، أدع الله أن يجعلني منهم ، فقال : " اللهم اجعلها منهم " وأنه قال مثل ذلك ثانيةً ؛ فقالت :

الصفحة 167