كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 78 """"""
وقال الوليد بن عتبة لأبيه : إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثاً ولا أراه يطوي عنك ما يبسطه لغيرك أفلا أخبرك به ؟ فقال : لا ، يا بني إنه من كتم سراً كان الخيار له ، ومن أظهره كان الخيار عليه ، فلا تكن مملوكاً بعد أن كنت مالكاً .
وفي كتاب التاج : أن بعض ملوك العجم استشار وزيريه ، فقال أحدهما : إنه لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحداً إلا خالياً به ، فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض ؛ فإن إفشاء السر إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى اثنين ، وإفشاؤه إلى ثلاثة كإفشائه إلى جماعة ؛ لأن الواحد رهنٌ بما أفشي إليه ، والثاني مطلقٌ عنه ذلك الرهن ، والثالث علاوةٌ فيه ، فإذا كان السر عند واحد كان أحرى ألا يظهره رهبةً ورغبة .
وإن كان عند اثنين كان الملك على شبهة ، واتسعت على الرجلين المعاريض .
فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحدٍ ، وإن اتهمهما اتهم بريئاً بجناية مجرم .
وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له ، وعن الآخر ولا حجة عليه .
وقال علي رضي الله عنه : الظفر بالحزم ، والحزم بأصالة الرأي ، والرأي بتحصين السر .
وقيل : من حصن سره فله من تحصينه إياه خلتان : إما الظفر بما يريد ، وإما السلامة من العيب والضرر إن أخطأه الظفر .
وقيل : كلما كثر خزان السر ازداد ضياعاً .
ويقال : إذا انتهى السر من الجنان إلى عذبة اللسان ، فالإذاعة مستوليةٌ عليه .
وقال عمرو بن العاص : القلوب أوعيةٌ للأسرار ، والشفاه أقفالها ، والألسن مفاتيحها ، فليحفظ كل امرىءٍ مفتاح سره .
قال شاعر :
صن السر عن كل مستخبرٍ . . . وحاذر فما الحزم إلا الحذر
أسيرك سرك إن صنته . . . وأنت أسيرٌ له إن ظهر
وكان يقال : الكاتم سره بين إحدى فضيلتين : الظفر بحاجته ، والسلامة من شر إذاعته .
ويقال : أصبر الناس من صبر على كتمان سره .