كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 88 """"""
عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ما من أحد أعظم أجراً من وزير صالح يكون مع إمامٍ فيأمر بذات الله تعالى " .
قالت الحكماء : أعرف الملوك يحتاج إلى الوزير ، وأشجع الرجال يحتاج إلى السلاح ، وأجود الخيل يحتاج إلى السوط ، وأحد الشفار يحتاج إلى المسن .
وقالوا : صلاح الدنيا بصلاح الملوك ، وصلاح الملوك بصلاح الوزراء ، ولا يصلح الملك إلا لأهله ، ولا تصلح الوزارة إلا لمستحقها .
وقالوا : أفضل عدد الملوك صلاح الوزراء الكفاة ، لأن في صلاحهم صلاح قلوب عوامهم لهم .
وقالوا : خير الوزراء أصلحهم للرعية ، وأصدقهم نية في النصيحة ، وأشدهم ذباً عن المملكة ، وأسدهم بصيرةً في الطاعة ، وآخذهم لحقوق الرعية من نفسه وسلطانه .
وقالوا : الوزير الخير لا يرى أن صلاحه في نفسه وسلطانه كائن صلاحاً حتى يتصل بصلاح الملك ورعيته ، وتكون عنايته فيما عطّف الملك على عامّته ، وفيما استعطف قلوب العامة على الطاعة لملكه ، وفيما قوّم أمر الملك والمملكة من تدبير ، حتى يجمع إلى أخذ الحق وتقديمه عموم الأمن والسلامة ، ويجمع إلى صلاح الملك صلاح أتباعه .
وإذا تطرقت الحوادث ودهمت العظائم كان للملك عدةً وعتاداً ، وللرعية كافياً محتاطا ، ومن ورائها ذاباً ناصرا ، يعنيه من صلاحها ما لا يعنيه من صلاح نفسه دونها .
ذكر ما قيل في اشتقاق الوزارة وصفة الوزير وما يحتاج إليه
أما اشتقاقها فقد اختلف في معناه على ثلاثة أوجه : أحدها أنه مشتقٌ من الوزر وهو الثقل ، لأنه يحمل عن الملك أثقاله . والثاني أنه مشتقٌ من الأزر وهو الظهر ، لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بظهره . والثالث أنه مشتق من الوزر - وهو الملجأ - ومنه قوله تعالى : " كلا لا وزر " ؛ أي لا ملجأ ؛ لأن الملك يلجأ إلى وزيره ومعونته .