كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 89 """"""
وأما صفة الوزير وما يحتاج إليه ، فقد قال أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب الماوردي في كتابه المترجم " بقوانين الوزارة " ما معناه : إن الوزير في منصب مختلف الأطراف ، يدبر غيره من الرعايا ويتدبر بغيره من الملوك ، فهو سائس ومسوس يقوم بسياسة رعيته وينقاد لطاعة سلطانه ، فيجمع بين سطوة مطاعٍ وانقياد مطيع ، فشطر فكره جاذبٌ لمن يسوسه ، وشطره مجذوبٌ بمن يطيعه ؛ لأن الناس بين سائس ، ومسوس ، وجامعٍ بينهما ، وله هذه المرتبة الجامعة ؛ فهو يجمع ما اختلف من أحكامها ، ويستكمل ما تباين من أقسامها ؛ وبيده تدبير مملكةٍ صلاحها مستحقٌ عليه ، وفسادها منسوبٌ إليه ؛ يؤاخذ بالإساءة ولا يعتد له بالإحسان ، تلان له المبادئ بالإرغاب وتشدد عليه الغايات بالإعتاب ، مستظهراً ليكفي اعتداد الإحسان إليه ، ويسلم من غبّ المؤاخذة له ، ويلزمه ضدها في حق سلطانه ألا يعتدّ عليه بصلاح ملكه ، لأنه للصلاح مندوب ، ولا يعتذر إليه من اختلاله ، لأن الاختلال إليه منسوب . والوزير مباشر لتدبير ملكٍ له أسٌ هو الدين المشروع ، ونظامٌ هو الحق المتبوع .
فإن جعل الدين قائده ، والحق رائده ؛ تذلل له كل صعب ، وسهل عليه كل خطب ؛ لأن للدين أنصاراً وأعواناً ، إن قعدت عنه أجسادهم لم تقعد عنه قلوبهم .
وحسبه أن تكون القلوب معه ، فإن للدين سلطاناً قد انقادت إليه إمامته ، واستقرت عليه زعامته .
فإن جعله ظهيراً له في أموره ، وعوناً على تدبيره ، يجد من القلوب خشوعا ، ، ومن النفوس خضوعا ؛ فما اعتزت مملكة إليه إلا صالت ، ولا التحفت بشعاره إلا طالت .
ولن يستغزر الوزير مواده إلا بالعدل والإحسان ، ولن يستنزرها بمثل الجور والإساءة ؛ لأن العدل استثمارٌ دائم ، والجور استئصالٌ منقطع .
وليس يختص بالأموال دون الأقوال والأفعال ، فعدله في الأموال أن تؤخذ بحقها وتدفع إلى مستحقها ؛ لأنه في الحقوق سفير مؤتمن ، وكفيلٌ مرتهن ؛ عليه غرمها ، ولغيره غنمها .
وعدله في

الصفحة 89