كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 90 """"""
الأقوال ألا يخاطب الفاضل بخطاب المفضول ، ولا العالم بخطاب الجهول ؛ ويقف في الحمد والذم على حسب الإحسان والإساءة ، ليكون إرغابه وإرهابه وفق أسبابهما من غير سرف ولا تقصير ؛ فلسانه ميزانه ، فليحفظه من رجحان أو نقصان .
وعدله في الأفعال ألا يعاقب إلا على ذنب ، ولا يعفو إلا عن إنابة ، ولا يبعثه السخط على اطراح المحاسن ، ولا يحمله الرضا على العفو عن المساوئ .
وليكن وفاؤه بالوعد حتما ، وبالوعيد حزما ، لأن العد حقٌ عليه لغيره يسقط فيه اختياره ، والوعيد حقٌ له على غيره فهو فيه خياره .
فمن أجل ذلك لم يجز إخلاف الوعد وإن جاز إخلاف الوعيد .
قال بعض الشعراء :
وإني إذا أوعدته أو وعدته . . . لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
لكن ينبغي أن يقرن بخلف الوعيد عذراً حتى لا يهون وعيده ؛ ليكون نظام الهيبة محفوظا ، وقانون السياسة فيه مضبوطا ؛ وليظهره إن خفي ليكون بإخلاف وعيد معذورا ، وبعفوه عنه مشكورا .
ولتكن أفعاله أكثر من أقواله ، فإن زيادة القول على الفعل دناءةٌ وشينٌ ، وزيادة الفعل على القول مكرمةٌ وزينٌ .
ولا يجعل لغضبه سلطانا على نفسه يخرجه عن الاعتدال إلى الاختلال ؛ فلن يسلم بالغضب رأيٌ من زلل ، ولا كلامٌ من خطل ؛ لأن ثورته طيشٌ معرّ ، ونفرته بطشٌ مضرٌّ ؛ لأنه يخرج عن التأدب إلى الانتقام ، وعن التقويم إلى الاصطلام .
قال ابن عباس : لم يمل إلى الغضب إلا من أعياه سلطان الحجة .
وقال بعض السلف : إياك وعزة الغضب ، فإنها تفضي بك إلى ذل الاعتذار .
وقال بعض الحكماء : من كثر شططه ، كثر غلطه .
قال بعض الشعراء :
ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم . . . عدواً لعقل المرء أعدى من الغضب
وليكن غضبه تغاضباً يملك به عزمه ، ويقوم به خصمه ، فيسلم من جور غضبه ويقف على اعتدال تغاضبه .
فقد قيل في بعض صحف بني إسرائيل : إذا كان الرجل ذا غضبٍ تواترت عليه الوضائع ، فكلما اشتد غضبه ازداد بلاءً . وقد يقترن بالغضب