كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 91 """"""
لجاجٌ يساويه في معرته ، ويشاركه في مضرته ؛ لأن في اللجاج التزام الخطأ واطّراح الصواب .
فليدع عنه لجاج الخصم الألد ، وليتجنب عواقب المدل الفدم .
وليتابع الرأي فيما اقتضاه ؛ فلأن ينتف بالرأي خيرٌ من أن يستضر باللجاج .
فقد قال بعض الحكماء : من استعان بالرأي ملك ، ومن كابر الأمور هلك .
وقال ابن المقفع : دع اللجاج فإنه يكسر عزائم العقول .
وقيل الظفر لمن احتج ، لا لمن لج .
وليأخذ الوزير أموره بالجد دون الهزل .
فالجد والهزل ضدان متنافران ؛ لأن الجد من قواعد الحق الباعث على الصلاح ، والهزل من مرح الباطل الداعي إلى الفساد ؛ فصار فرق ما بين الجد والهزل هو فرق ما بين الحق والباطل .
وتنافر الأضداد يمنع من الجمع بينهما ؛ فمتى انفرد بأحدهما كان للآخر تاركا .
وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : العقل حسامٌ قاطعٌ ، والحلم غطاء ساتر ، فقابل هواك بعقلك ، واستر خلل خلقك بحلمك ، واستعمل الجد ينقد إليك الحق ويفارقك الباطل .
ولا تعدل إلى الهزل فيتبعك الباطل وينافرك الحق .
وقلما انثلمت هيبة الجد أو تكاملت هيبة الهزل ؛ والهيبة أسّ السلطنة .
حكي عن عمر بن مرّة أن رجلاً من قريش قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : لن لنا فقد ملأت قلوبنا مهابة ؛ فقال عمر : أ في ذلك ظلمٌ ؟ قال : لا ؛ قال : فزادني الله في صدوركم مهابةً .
وقال حكيم الهند : ليكن فيك مع طلاقتك تشددٌ ، لئّلا يجترأ عليك بالطلاقة وينفر منك بالتشدد .
والهزل إنما يكون مع سخفٍ أو بطر يجلّ عنهما من ساس الرعايا ودبر الممالك .
وسأل ملك الهند الإسكندر وقد دخل بلاده : ما علامة دوام الملك ؟ قال : الجد في كل الأمور ؛ قال : فما علامة زواله ؟ فال : الهزل فيها .
وليس الكبر والعنف جداً ، ولا التواضع واللطف هزلاً .
قالوا : وإن استكد الجد خاطره فلا بأس أن يستروح ببعض الهزل ليستعين به على مصابرة الجد ، لكن يكون في زمان راحته وأوقات خلوته بمقدار دوائه من دائه ،

الصفحة 91