كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 92 """"""
فإن الكلال ملال .
ولينك ذلك كما قال بعض الشعراء :
أفد طبعك المكدور بالجد راحةً . . . يجمّ وعلله بشيءٍ من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن . . . بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
وكذلك فليتحر الصدق ويتجنب الكذب ، فإنهما ضدان متنافران تختلف عللهما وتفترق نتائجهما ؛ فالصدق من لوازم العقل وهو أسّ الدين وقوام الحق ؛ والكذب من غرائز الجهل وهو زورٌ يقترن بغرور ، إن التبست أوائله انتهكت أواخره ، وإن جرّ التباسه نفعا عاد انتهاكه ضررا ، فلن يسلم من معرة زوره ، ومضرة غروره .
وقد قدمنا من مدح الصدق في باب المدح ، وذم الكذب في باب الهجاء ، ما فيه غنيةٌ عن تكراره .
وحيث ذكرنا هذه المقدمة في اشتقاق الوزارة وما يحتاج الوزير إليه فلنذكر صفة الوزارة وشروطها .
ذكر صفة الوزارة وشروطها
قال أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي : والوزارة ضربان : وزارة تفويضٍ تجمع بين كفايتي السيف والقلم ، ووزارة تنفيذ تختص بالرأي والحزم ؛ ولكل واحدةٍ منهما حقوقٌ وشروط .
وزارة التفويض
فهي : الاستيلاء على التدبير بالعقد ، والحلّ ، والتقليد والعزل .
فأما العقد فيشتمل على شرطين : دفاع وحذر . وكل شرط من هذه الشروط الأربعة يشتمل على فصول .
الشرط الأول وهو التنفيذ
فهو رأس الوزارة وقاعدة النيابة ، وهو الأخص بكفاية القلم في مصالح الملك واستقامة الأعمال .
ويشتمل على أربعة أقسام : الأول : تنفيذ ما صدرت به أوامر الملك .
وعلى الوزير فيها حقان : أحدهما أن يتصفحها من زللٍ في ابتدائها ، ويحرسها من خللٍ في أثنائها ؛ ليرده عن زللها باللطف ، ويقوي عزمه على صوابها بالإحماد .
وقد قال أفلاطون : أول رياضة الوزير أن يتأمل أخلاق الملك ومعاملته ، فإن كانت شديدةً فظةً عامل الناس بدونها ، وإن كانت لينةً مطلقة عاملهم بأقوى منها ، ليقرب من العدل في سعيه .
والثاني : تعجيل إمضائها للوقت المقدر لها حتى لا يقف فيوحش ، لأن وقوف أوامره يوحش ، وهو