كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 94 """"""
الزراع بمزارعهم ، ويتشاغل الصناع بصنائعهم ، ويتوفر التجار على متاجرهم .
وعليه في تنفيذها لهم حقان : أحدهما ألا يعارض صنفاً منهم في مطلبه ، والثاني ألا يشاركه في مكسبه .
وربما كان للسلطان رأيٌ في الاستكثار من أحد الأصناف فينقل إليه من لم يألفه فيختل النظام بهم فيما نقلوا عنه وفيما نقلوا إليه .
وربما ضنّ السلطان عليهم بمكاسبهم فتعرض لها أو شاركهم فيها فاتّجر مع التجار وزرع مع الزراع .
وهذا وهنٌ في حقوق السياسة وقدحٌ في شروط الرياسة من وجهين : أحدهما أنه إذا تعرض لأمر ، قصرت فيه يد من عداه ؛ فإن تورك عليه لم ينهض به ، وإن شورك فيه ضاق على أهله .
وقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ما عدل والٍ اتّجر في رعيته " .
والثاني لأن الملوك أشرف الناس منصباً فخصوا بمواد السلطنة ، لأنها أشرف المواد مكسباً .
فإن زاحموا العامة في رذل مكاسبهم أوهنوا الرعايا ودنسوا الممالك ؛ وعاد وهنهم عليها فاختل نظامها ، واعتل مرامها .
وقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا اتّجر الراعي هلكت الرعية " .
وكتب حكيم الروم إلى الإسكندر : أي ملك تطنف نفسه إلى المحقرات فالموت أكرم له .
فهذا ما اشتمل عليه الشرط الأول .
الشرط الثاني فهو الدفاع .
وهو أسّ السلطنة وقانون السياسة والأخص بكفاية السيف في تدبير الملك وضروب المصالح .
ويشتمل على أربعة أقسام : أحدها الدفاع عن الملك من الأولياء ، والثاني الدفاع عن المملكة من الأعداء ، والثالث دفاع الوزير عن نفسه من الأكفاء ، والرابع دفاعه عن الرعية من خوف واختلال .
فالقسم الأول في دفاعه عن الملك من أوليائه :
ويكون بثلاثة أسباب : أحدها أن يقودهم إلى طاعته بالرغبة ، ويكفهم عن معصيته بالرهبة ؛ فإن الرغبة والرهبة إذا تواليا على النفس ذلت لهما وانقادت خوفاً وطمعاً ، وبهما تعبد الله الخلق في وعده ووعيده .
والثاني أن يقوم بكفايتهم حتى لا ينفروا بالقوة أو يتفرقوا بالضعف ؛ وكلاهما قدحٌ في الملك .
والثالث أن يحفظهم من الإغواء ، ويحرسهم من الإغراء ؛ وذلك بأمرين : أحدهما البحث عن أخبارهم حتى يعلم سليمهم من سقيمهم .
والثاني بإبعاد المفسدين عنهم حتى لا يتعدى إليهم فسادهم ؛ فإن الكف بحسب الكشف .