كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 95 """"""
والقسم الثاني في دفاعه عن المملكة
من أعدائها : وأعداء الممالك من انفرد بملك أو امتنع بقوة .
وهم ثلاثة أصناف : أكفاء مماثلون ، وعظماء متقدمون ، وناجمة منافسون . فأما الأكفاء المماثلون فيدفعون بالمقاربة والمسالمة .
وأما العظماء المتقدمون فيدفعون بالملاطفة والملاينة .
وأما الناجمة المنفسون فيدفعون بالسوط والمخاشنة .
والقسم الثالث في دفاع الوزير عن نفسه من أكفائه : ويكون بعد استصلاح الطرفين : الأعلى وهو الملك ، والأدنى وهم الأعوان .
وأكفاؤه ثلاثة : واترٌ ، وموتورٌ ، ومنافس .
فأما الواتر : فقد بدأ بشره وجاهر بعداوته ؛ وكلاهما بغيٌ مؤنس بالنصر عليه .
وللوزير في ترته حقان : حقٌ في مقابلته على ما قدم من ترته ، وقح في استدفاع ما جاهر به من عداوته .
فأما حقه في المقابلة ، فإن عفا الوزير عنها كان بالفضل جديرا ، وإن قابل كان في المقابلة معذورا .
وقد قيل : لذة العفو أطيب من لذة التشفي لأن لذة العفو يتبعها الحمد ولذة التشفي يعقبها الندم .
قال الشاعر :
فإنك تلقى فاعل الشر نادماً . . . عليه ولم على الخير فاعله
وأما حقه في استدفاع شره ، فقد أيقظته مجاهرته ، وأوهن كيده مظاهرته .
وقد قيل في منثور الحكم : أوهن الأعداء كيداً أظهرهم بعداوته .
فاحذر بادرته وادفع عداوته .
ودفعها مختلفٌ باختلاف طباعه في انثنائه بالرغبة وتقويمه بالرهبة .
وأما الموتور : فقد بودئ بالإساءة فصبر عليها ، وجوهر بالعداوة فأخفاها ؛ فله ترة مظلوم ووثبة مختلس ، فتتوقى ترة ظلامته بالاستعطاف ، ووثبة مخالسته بالاحتراز .
وأما المنافس : فهو طالب رتبة إن نال منها سداداً من عوز ياسر ، وإن ضويق فيها نافر .
فليرخ الوزير له عنان الأمل ، وليخفض له جناح منافسته بالاستبانة والعمل ؛ ليندفع بالمياسرة عن المنافرة .
وليغالط به الأيام ، فإن الساعات تهدم الأعمار ، ولا يجعل له فراغاً يتشاغل فيه بمساءته ، ويجعله عذراً في السعي على منزلته .
فإن ساق القضاء إليه حظاً كان له مصطنعا ، يرعى له حقوق الاصطناع .
فقد قيل : من علامة الإقبال ، اصطناع الرجال .
فإن صدّه القضاء عن إرادته وعجزه القدر عن طلبته كفي

الصفحة 95