كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 96 """"""
الوزير منه ما خافه وقد أحسن ، ووصل إلى ما أراده وقد أجمّ ، وأوجب بإحسانه شكرا ، وأقام بإجمامه عذراً ، اجتذب بهما قياد منافسه إلى طاعته ، وصرفه بهما عن التعرض لمنافسته .
فهنالك يجعله قبلة رجائه ؛ إذا لم يحظ بخير إلاّ منه ، ولم يقض من زمان وطراً إلاّ به .
وقد قيل في منثور الحكم : من استصلح الأضداد ، بلغ المراد .
وربما تعرض لعداوة الوزير من قصّر عن رتبة منافسته .
فليعطه من رجائه طرفاً ، وليقبض من زمامه طرفاً ، وليختبره فيهما ، فسيقف على صلاحه أو فساده .
فإن صلح سوعد ، وإن فسد بوعد .
فقد قال أردشير بن بابك : احذروا صولة الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع .
وقد قيل في منثور الحكم : علة المعاداة ، قلة المبالاة .
والقسم الرابع في الدفاع عن الرعية من خوف واختلال : فالخوف من نتائج الخرق ، والاختلال من نتائج الإهمال ؛ وكلاهما من سوء السيرة وفساد السياسة ، لترددهما بين تفريط وإفراط ، وخروجهما عن العدل إلى تقصير أو إسراف .
وهم قوام الملك المستمدّ ، وذخيرة المستعدّ .
وليس يستقيم ولن يستقيم ملك فسدت فيه أحوال الرعايا ، لأنهم منهم بمنزلة الرأس من الجسد لا ينهض إلا بقوته ولا يستقل إلا بمعونته .
وعلى الوزير لهم ثلاثة حقوق : أحدها أن يعينهم على صلاح معايشهم ووفور مكاسبهم ، لتتوفر بهم مواده ، وتعمر بهم بلاده .
والثاني أن يقتصر منهم على حقوقه ، ويحملهم فيها على إنصافه ، ليكونوا على الاستكثار أحرص ، وفي الطاعة أخلص ، ولا يكلهم في مقادير الحقوق إلى غيره ، ليكونوا له أرجى وعليه أحنى .
والثالث أن يحوطهم بكف الأذى عنهم ، ومنع الأيدي الغالبة منهم ؛ ليكون لهم كالأب الرؤوف ويكونوا له كالأولاد البررة ؛ فإنه كافلٌ مسترعىً ومسئولٌ مؤاخذٌ .
ولله عليه فيهم حقٌ ، وللسلطان عليه فيهم تبعة .
فليغتنم الوزير بهم شكر إحسانه ، ويجمل بعدله فيهم آثار سلطانه .
الشرط الثالث وهو الإقدام
فهو في السياسة أوفى شطريها ، وفي الوزارة أكفى نظريها ؛ لظفر الإقدام ، وخيبة الإحجام .
وقد قيل

الصفحة 96