كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 97 """"""
في منثور الحكم : بالإقدام تثبت الأقدام .
وإنما يجب الإقدام إذا ظهرت أسبابه ، وقصدت أبوابه .
قال الشاعر :
إذا ما أتيت الأمر من غير بابه . . . ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدي
ثم يجمع بعدهما بين حزمه وعزمه . فالحزم تدبير الأمور بموجب الرأي ، والعزم تنفيذها للوقت المقدر لها .
فإذا تكاملت شروط الإقدام من هذه الوجوه الأربعة - وهي : ظهور أسبابه ، وقصد أبوابه ، والحزم ، والعزم - لم يمنع من الظفر ، إلا عوائق القدر .
والإقدام ينقسم إلى قسمين : أحدهما الإقدام على اجتلاب المنافع ، والثاني على دفع المضار .
فأما الإقدام على اجتلاب المنافع فضربان : أحدهما استضافة ملك ، والثاني استزادة مواد .
فأما استضافة الملك فتكون بالحزم والعزم إذا اقترنا برغبة أو رهبة .
ولأن تكون بالاغتيال والاحتيال ، أولى من أن تكون بالقتال .
وأما استزادة المواد فتكون بالعدل والإحسان إذا اقترنا برفق ومياسرة لتكثر بهما العمارة وتتوفر بهما الزراعة ، فإن الأرض كنوز الملك يستخرجها أعوانٌ متطوعون يقنعهم الكف عنهم ويقطعهم العسف بهم .
الإقدام على دفع المضار
فضربان : أحدهما . دفع ما اختل من الملك .
وله سببان : إهمالٌ أو عجزٌ .
والثاني دفع ما نقص من المواد . وله سببان : نفورٌ أو جورٌ .
فيحتاج الوزير أن يدفع ضرر كل واحدٍ منهما بالضد من سببه ، فإن علاج كل داء بضده من الدواء .
فإن كان اختلال الملك من الإهمال أيقظ له عزمه ، وإن كان من العجز استعمل فيه حزمه .
وإن كان نقص المواد من النفور استنجد فيه رهبته ، وإن كان من الجور أظهر فيه معدلته .
فإن كان حدوث ذلك في الملك صدر عن الوزير كان مؤاخذاً بتفريطه في الابتداء ، ومستدركاً لتقصيره في الانتهاء ؛ فيجبر إساءته بإحسانه ، ويمحو قبيحه بجميله .
وإن كان حدوثه من غيره كانت جريرة الإساءة على من أحدثه ، وكان حمد الإحسان للوزير .
الشرط الرابع وهو الحذر
فيتعين على الوزير أن يكون حذرا ، لأن الدهر ثائرٌ بطوارقه ، ومنافر بنوائبه ، يغدر إن وفى ، ويفتك إن هفا .
قال عبد الحميد : أصاب الدنيا من حذرها ، وأصابت الدنيا من أمنها .
وقال

الصفحة 97