كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)
"""""" صفحة رقم 98 """"""
عبد الملك بن مروان : احذروا الجديدين ، فللأقدار أوقاتٌ تغضي عنها الأبصار .
فإذا صادفت طوارق الدهر غراٌ مسترسلاً صار هدفاً لسهامه الصوائب ، وغرضاً لمنافرة الحوادث والنوائب .
وقد قال بعض الحكماء : من أعرض عن الحذر والاحتراس ، وبنى أمره على غير أساس ، زال عنه العز واستولى عليه العجز ؛ وإن قدم لطوارقه حذر المتيقظ ، وتلقاها بعدة المتحفظ ، رد بادرتها بعزم ذي حزم قد حلب أشطر دهره ، وقام بواضح عذره .
قال بعض الشعراء :
إن للدهر صولةً فاحذرنها . . . لا تبيتنّ قد أمنت الدهورا
ثم هو بعد حذره مستسلمٌ لقضاءٍ لا يرد ، وقدرٍ لا يصد .
وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت " .
وقبل لبعض الحكماء : من السعيد ؟ قال : من اعتبر بأمسه ، واستظهر لنفسه .
وقال بعض الشعراء :
وحذرت من أمرٍ فمرّ بجانبي . . . لم يبكني ولقيت ما لم أحذر
وللحذر حدٌ يقف عنده إن زاد عليه صار خوراً ، كما أن للإقدام حداً إن زاد عليه صار تهوراً .
والزيادة على الحدود ، نقصٌ في المحدود .
ولهما زمان إن خرجا عنه صار الحذر فشلاً ، والإقدام خرقاً .
وعيارهما معتبرٌ بحزم العاقل ويقظة الفطن .
قال بعض الحكماء : ليعرفك السلطان عند افتتاح التدبير بالحذر ، وعند وقوع الأمر بالجد .
والحذر يلزم من أربعة أوجه : أحدها الحذر من الله تعالى فيما فرض .
والثاني الحذر من السلطان فيما فوض .
والثالث الحذر من الزمان فيما اعترض .
والرابع من غلبة الأعداء ومكر الدهاة .
الحذر من الله تعالى :
فهو عماد الدين الباعث على الطاعة . والحذر منه هو الوقوف عند أوامره ، والانتهاء عن زواجره ؛ فيعمل بطاعته فيما أمر ، وينتهي عن