كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 6)

"""""" صفحة رقم 99 """"""
معصيته فيما حظر .
فلن يرى قليل الحذر إلا متجوزاً في دينه طائحاً في غلوائه ، لا يرى رشداً في العاجل ، وهو على وعيدٍ في الآجل ؛ مع نفور النفوس منه وسراية الذم فيه .
وقد قيل في بعض الصحف الأولى : العزة والقوة يعظمان القلب ، وأفضل منهما خوف الله تعالى ؛ لأن من لزم خشية الله لم يخف الوضيعة ولم يحتج إلى ناصر .
وقال علي رضي الله عنه : من حاول أمراً بمعصية الله كان أبعد لما رجا ، وأقرب لمجيء ما اتقى .
الحذر من السلطان فهو وثابٌ بقدرته ، متحكمٌ بسطوته ، يميل به الهوى فيقطع بالظن ويؤاخذ بالارتياب ؛ فالثقة به عجزٌ ، والاسترسال معه خطر .
والحذر منه في حالتي السخط والرضا أسلم ؛ لأنه يستذنب إذا مل حتى يصير المحسن عنده كالمسيء .
فليستخلص رأيه بالنصح ، ويستدفع تنكره بالحذر .
وقال بعض الحكماء : اصحب السلطان بثلاث : الحذر ، ورفض الدولة ، والاجتهاد في النصح .
والحذر منه يكون بثلاثة أمور : أحدها ألا يعول على الثقة به في الإدلال والاسترسال ، فما جرت الثقة إلا ندماً .
وقد قيل : الخرق الدالة على السلطان ، والوثبة قبل الإمكان .
فاقبض نفسك إذا قدمك ، وتواضع له إذا عظمك ، واحتشمه إذا آنسك ، ولن له إذا خاشنك ، واصبر على تجنيه إذا غالظك ؛ فهو على التجني أقدر ، فكن على احتماله أصبر ؛ فربما كانت مجاملته لك مكراً وتجنيه عليك غدراً .
فقد قيل في بعض الصحف الأولى : حب الملك وهواه يشبه الطل على العشب .
فلا تجعل له في إظهار تنكره عذراً ؛ فربما اعترف بالحق فوفى ، ورق بالصبر فكف .
وقد قيل في أمثال " كليلة ودمنة " : صاحب السلطان كراكب الأسد يخافه الناس وهو لمركوبه أشد خوفاً .
والثاني من حذره منه أن يساعده على مطالبه ، ويوافقه على محابه ومآربه ، ولا يصده عن غرض إذا لم يقدح في دين ولا عرض ، ولا يتوقف عن إجابته وإن شغله ما هو أهم ؛ فإن الملك لا يقيم لوزيره عذراً إذا وجده في أغراضه مقصراً ، وإن كان على مصالح ملكه متوفراً ؛ فإنه اتخذه لنفسه ثم لملكه ؛ وقد يقدم حظ نفسه على مصلحة ملكه ، لغلبة الهوى ونازع الشهوة .
فليكن متوفراً على مراده ليسلم اعتقاده له .
فإن قدحت أغراضه في دين أو عرض سلّ الوزير نفسه من وزرها وتحفظ من شينها بالتلطف في كفه عنها بما يعتاضه بدلاً منها ، ليسهل عليه إقلاعه عنها .
فإن ساعده الملك عليها سلم دينهما ، وزال شينهما .
فقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن لله خزائن للخير والشر مفاتيحها الرجال فطوبى لمن جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر وويلٌ لمن جعله الله مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير " .

الصفحة 99